هذا ما يحتاج إليه اللبنانيون للخروج من أنفاقهم

قد يجد اللبنانيون، بعد حربي الاسناد، أنه أصعب الأمور عليهم من أن يتفقوا، كما هو صعب على السياسيين أن يتراجعوا عن مواقفهم المعلنة. لكن الأصعب من الاثنين هو أن يقتنع الجميع بأن المرحلة التي يعيشها لبنان لم تعد تسمح لأحد بأن يربح كل شيء. فلبنان يقف اليوم أمام سؤال يتجاوز الخلافات السياسية اليومية، ويتصل بمستقبل الصيغة اللبنانية نفسها، إذ كيف يمكن الانتقال من توازنات القوة إلى توازن الدولة، من دون أن يشعر أي طرف بأنه ذاهب إلى الهزيمة؟ قد تكون هذه هي المعادلة الأكثر تعقيداً، لكنها في الوقت نفسه قد تكون الطريق الوحيد للخروج من الحلقة المفرغة التي يدور فيها لبنان منذ عقود. لقد اعتاد اللبنانيون على تسويات تأتي بعد الأزمات، وغالباً ما تكون من الخارج، ومهمتها إطفاء الحريق لا إزالة أسبابه. فتهدأ الجبهات، وتتوزع الحصص، ويتنفس الجميع الصعداء، ثم تبدأ الأزمة من جديد عند أول تبدل في موازين القوى. لكن المنطقة اليوم، كما هو الواقع، ليست كما كانت بالأمس، إذ أن موازين القوى تتغير، والتحالفات تتبدل، وأولويات القوى الكبرى تتقدم وتتراجع، وما كان مضموناً بالأمس قد لا يبقى مضموناً غداً. وفي وسط كل هذه التحولات، يجد لبنان نفسه أمام ضرورة اتخاذ خيارات كان يؤجلها منذ سنوات. وفي مقدمة هذه الخيارات، تأتي مسألة حصرية القرار الأمني والعسكري والاستراتيجي بالدولة اللبنانية. ليس المطلوب، في رأي بعض “أهل الحكمة”، ولو أصبحوا قلّة، مقاربة هذا الملف بشعارات المنتصر والمهزوم. فاختزال المسألة في عبارة “تسليم السلاح” قد يجعل الوصول إلى الحل أكثر صعوبة، تماماً كما أن رفض البحث في مستقبل السلاح باعتباره أمراً غير قابل للنقاش قد يجعل الدولة نفسها عاجزة عن استعادة كامل دورها. المطلوب إذًا ما هو أصعب من ذلك، أي تسوية تاريخية تحفظ للدولة سيادتها، وتحفظ في الوقت نفسه لمن يحمل السلاح اليوم ضمانات تبعد عنه الهواجس، على حدّ اعتقاده. فـ “حزب الله”، إذا كان أمام مراجعة خياراته، يحتاج إلى معرفة أن الانتقال إلى كنف الدولة لن يعني نهاية دوره أو إلغاء حضوره السياسي أو استهداف بيئته، بل يمكن أن يكون انتقالاً من موقع القوة العسكرية إلى موقع القوة السياسية والوطنية داخل مؤسسات الدولة. في المقابل، على خصوم “الحزب” أن يدركوا أن الدولة التي يريدونها لا تُبنى إلاّ بالحوار المنطقي والبنّاء. لأن المطلوب ليس استبدال هيمنة خارجية بأخرى، ولا نقل لبنان من وصاية إلى وصاية، بل بناء دولة تكون أقوى من الجميع لأنها عادلة مع الجميع. وهذا هو جوهر المعادلة. لا يمكن مطالبة “حزب الله” بأن يثق بالدولة إذا كان جزء من الخطاب السياسي يتعامل معه باعتباره خصماً يجب إخراجه من المعادلة. ولا يمكن مطالبة اللبنانيين بالثقة بالدولة إذا بقي القرار الاستراتيجي موزعاً بين الدولة و”حزب الله”. وبين هذين الموقفين تقع مساحة التسوية. وفي رأي “الحكماء” فإن هذه المساحة تحتاج إلى ضمانات داخلية وخارجية، وإلى جدول واضح للخطوات، وإلى إعادة بناء الثقة التي تهدمت على مدى سنوات بفعل ممارسات “حزب الله”، التي جعلت الدولة ومؤسساتها جسر عبور إلى الضفة الخارجية. إذا كان المطلوب من “حزب الله” أن ينتقل من منطق “المقاومة” إلى منطق الدولة، فإن المطلوب من الآخرين أيضاً أن ينتقلوا إلى منطق الاستيعاب. فبدلاً من أن تكون التسوية المقبلة، أيًّا يكن شكلها، مجرد اتفاق على تقاسم النفوذ، يمكن أن تكون اتفاقاً على إعادة تعريف لبنان، أي دولة واحدة، وقرار واحد، جيش واحد، ومؤسسات قادرة على حماية جميع مواطنيها. من هنا تأتي أهمية تأمين “طريق العودة، إذ أن رجال الدولة الحقيقيين لا يبحثون فقط عن طريق الوصول إلى أهدافهم، بل عليهم أن يسألوا منذ البداية عما سيحدث إذا تغيرت الظروف، وكيف يمكن العودة عن الموقف العالية السقوف؟ ولذلك فإن التسوية المطلوبة ليست تسوية ضعف، بل تسوية قوة. قوة الدولة، وقوة المؤسسات، وقوة القانون، وقوة التفاهم الوطني. أما الخارج، فعليه أن يدرك أن لبنان ليس ورقة على طاولة المفاوضات الإقليمية، مع أهمية أن يعي الجميع عدم امكانية تجاهل تأثير التحولات الخارجية على لبنان، آخذين في الاعتبار أن تحويل لبنان إلى ساحة لتبادل الرسائل سيعيد إنتاج المأساة نفسها. صحيح أن لبنان يحتاج إلى مظلة دولية تساعده، والصحيح أيضًا أنه لا يحتاج إلى وصاية جديدة. هو يحتاج إلى دعم عربي يعزز استقراره، لا إلى محاور جديدة تحوّله إلى ساحة صراع. وفي الداخل، يحتاج اللبنانيون إلى قيادة تمتلك شجاعة اتخاذ القرار، لا إلى طبقة سياسية تنتظر دائماً معرفة اتجاه الريح قبل أن تحدد موقفها
المصدر: لبنان 24


