اقتصاد

ذهب ليبيع السمك ولم يعد… 45 عاماً من الانتظار

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة

ذهب ليبيع السمك ولم يعد… 45 عاماً من الانتظار

ترفض فردوس الاعتراف بموته. تقول: "البعض يترحم على والدي باعتبار أن الرحمة تجوز للأحياء كما الأموات، أما أنا فما زلت أنتظر أن يدخل منزلنا ويناديني".

45 عاماً على فقدان نزيه الآغا، المعروف باسم رياض، على طريق عبرا عام 1982. (الصورة: النهار)

هناك، بين بيوت صيدا القديمة المتلاصقة والمتداخلة حدّ التمازج، نشأ رياض وكبر في ظروف قاسية، وعلى امتداد شوارعها الضيقة، طبعت خطواته ذهاباً وإياباً قبل أن يُفقد أثره في صيف عام 1982، حين مضى في رحلته الأخيرة ولم يعد.

قصة رياض الآغا ليست سوى واحدة من مئات قصص المخطوفين والمفقودين في لبنان، الذين ما زالت عائلاتهم معلّقة بين الأمل والغياب، تنتظر خبراً، أو معلومة، أو حتى رفاتاً يضع حداً لسنوات من الأسئلة.في بلدٍ طال فيه الانتظار، لا يزال كثيرون يعيشون من دون قبر يزورونه أو حقيقة يواجهونها؛ فقط صمت ثقيل وغياب مفتوح على كل الاحتمالات.

فردوس، ابنة المفقود رياض الآغا، تواصل منذ سنوات البحث عن مصيره وكشف حقيقة اختفائه. (الصورة: النهار)

"كان يجيب السمكة من تمّ الأسد"

لم تكن حياة رياض سهلة منذ بداياتها. تيتم في التاسعة من عمره، فوجد نفسه مضطراً إلى مواجهة قسوة الحياة في وقت مبكر. كان طفلاً لا يزال يحتاج إلى حنان أمه وحضنها، لكنه وجد نفسه، كما تروي ابنته فردوس في حديثها لـ"النهار"، وحيداً، باعتباره الأصغر في عائلة مؤلفة من سبعة أفراد، كان معظمهم قد تزوجوا وأصبح لكل منهم عائلته الخاصة.

تنقّل رياض بين بيوت أشقائه وشقيقاته بعد أن تزوّج والده من جديد. كان "رحّالاً" في حارة واحدة، يهرب من وحشة الحياة إلى منزل عمته المجاور لمنزل والده. وكما تقول فردوس، "كانت أكثر حنّية من الجميع على والدي".

كبر رياض قبل أوانه، ولم تترك له الحياة خياراً آخر. لم يكن قد تجاوز الثانية عشرة عندما بدأ يعمل بيديه الصغيرتين ليؤمّن لقمة عيشه. أحبّ البحر وغاص في أعماقه، وقضى سنوات من عمره على شاطئ صيدا، وما زال أهلها حتى اليوم يتذكرونه بعبارة واحدة: "كان يجيب السمكة من تمّ الأسد"، في تعبير عن شجاعته ومهارته في صيد السمك آنذاك.

زوجة رياض الآغا وأطفاله الخمسة بعد فقدان أثره. (الصورة من أرشيف ابنته فردوس)

مضت 45 عاماً على آخر رحلة صيد له، 45 عاماً ولم تعرف عائلة الآغا خبراً عن ابنها وزوجها ووالد أولادها. صورته التي توثّق وجهه الجميل وعينيه الخضراوين تنتظر هي الأخرى، عاماً تلو عام، ورياض لم يعد… ذهب ليسلّم السمك إلى زبون في منطقة عبرا، واختفى!

تقول ابنته فردوس: "اختفى هو والسمك والموتسيكل الذي كان يحمل غلّته عليه". اشتهر بدرّاجته النارية الحمراء التي كان يقودها حاملاً رزقته معه، يضع عليها أفخم أنواع السمك، ويمضي في طريقه "مسترزقاً".

ابنة المفقود رياض الآغا، فردوس، ترفع صورته في المكان الأحب إلى قلبه: ميناء صيدا.

كل من يتذكر رياض يبتسم؛ صيته جميل، وكلمات طيبة ترافق اسمه. تتأثر ابنته فردوس عندما تسمع كلمات جميلة عنه، تصارحني قائلةً "أفتخر أنني ابنة رياض الآغا".

تتشابه ملامح فردوس، بعينيها الخضراوين، مع والدها كثيراً، وتتأثر كلما قال لها أحدهم: "تشبهينه". تتمسّك بتلك الكلمة، كما تتمسّك بصورة والدها التي تضمّها إلى صدرها، وتتنهد: "45 سنة مرّت، وبعدو بييّ بينذكر بكلمات حلوة… هيدي نعمة".

على رصيف صيدا البحري، حيث تصطف مراكب الصيادين بألوانها وأحجامها، في انتظار ما سيحمله البحر من أرزاق، تقف فردوس أمام المكان الأحب إلى قلب والدها رياض. تعترف: "هنا قضى والدي نصف عمره، كان عاشقاً للبحر. أتساءل أحياناً: هل البحر غدّار لأنه أخذ والدي مني في رحلة استرزاقه؟ ثم أجيب نفسي قائلة: لكنه لم يغرق في البحر… كان يغوص فيه ليصطاد السمك ويبيعه، قبل أن يُفقد أثره للأبد".

لدى فردوس مشاعر مختلطة ومتناقضة تجاه البحر؛ تحبّه بمحبة والدها، وتهابه في الوقت نفسه لأنه يذكّرها بيُتمها وفقدان أغلى شخص في حياتها… والدها. لم تكن فردوس قد تجاوزت الثالثة من عمرها عندما فُقد أثر والدها. تحفظ ملامحه من الصور وأحاديث الأقارب ووالدتها، وترسم صورته في مخيلتها، فيما لا يزال جزء منها ينتظر عودته.

المفقود رياض الآغا مع ابنه البكر فاروق في صيدا عام 1972 ( الصورة من صفحة ابنه فاروق على الفايسبوك)

عمل رياض في البحر طوال حياته، كان غطاساً ماهراً وصياداً شجاعاً. ويقول أصدقاؤه الذين عملوا معه في البحر: "لم يكن أحد يصطاد أنواع الأسماك التي كان يصطادها رياض… عطول رزقته كانت غير، سبحان الله".

لم يكن رياض، كما يخبر عارفوه، ينتمي إلى أي حزب أو مجموعة مسلّحة خلال الحرب اللبنانية. كان رجلاً همه الوحيد تأمين لقمة عيش عائلته المؤلفة من زوجته وأطفاله الخمسة. وعندما خُطف رياض، كان ابنه محمد لا يزال رضيعاً لم يتجاوز الأربعة أشهر، فيما كانت ابنته فردوس في الثالثة من عمرها، وشقيقها فادي في الخامسة، وشقيقتها نسرين في السابعة، وشقيقها الأكبر فاروق في العاشرة.

كان له زبائنه من مختلف الطوائف والمناطق. هكذا كان رياض يحب الحياة، كريماً وشجاعاً، ويحلم بشيء واحد: "شراء منزل جديد وحياة كريمة لعائلته". كان يعمل ليلاً ونهاراً لتحقيق حلمه، وكما تروي ابنته فردوس: "عمل في محل حلويات، وفي الفلافل، وفي البحر ليؤمّن كل احتياجاتنا. كان مستعداً للعمل في كل شيء حتى لا ينقصنا شيء".

كانت الأوضاع الأمنية والسياسية تزداد توتراً في لبنان، فيما كانت بعض المناطق قد أصبحت مفروزة وخطرة. لكن رياض كان يعيش على وقع عواطفه ورزقته، لا على وقع المستجدات السياسية. وعندما اتصل به أحد زبائنه في منطقة عبرا، حمل غلّته وسمكاته الجيدة وتوجّه إليه… ولم يعد.

لم يعرف أحد ماذا حلّ به. كانت محطته الأخيرة، قبل توجهه إلى عبرا، "قهوة الزجاج" في صيدا، حيث اعتاد احتساء قهوته والاستراحة قليلاً قبل أن يكمل مشواره. جلس رياض في مقهاه المفضل، هناك يجلس رياض يفكر في مستقبل عائلته وزوجته التي أحبها كثيراً.

كانا صغيرين حين تزوجا؛ هو في السابعة عشرة وهي في الثالثة عشرة. وبعد عام واحد فقط، بدأت أسرتهما تكبر تباعاً. في ذلك اليوم، جلس يفكر بهم جميعاً، قبل أن ينقطع أثره فجأة ويصبح، في لحظة واحدة، "مفقوداً".

اختفى أثر رياض كأنه لم يكن، ولم تعرف عائلته شيئاً عنه. وكما تؤكد ابنته فردوس: "بحثنا في كل مكان، وسألنا عنه في سوريا وإسرائيل وفي كل مكان، ولم نلقَ جواباً واحداً يخصه".

رياض الآغا وشقيقه أبو مازن عام 1963، قرب جامع كيخيا بصيدا القديمة (الصورة من صفحة ابنة فاروق على الفايسبوك)

منذ اليوم الأول لاختفائه، بدأت زوجته جميلة وأشقاؤه رحلة بحث مضنية، تنقّلوا خلالها بين الأسئلة والاحتمالات، من دون أن يصلوا إلى خيط يقودهم إليه. آخر ما سمعته زوجته من الرجل الذي كان رياض متوجهاً إليه لبيع السمك كان: "الموضوع مش عندي".

عبارة بقيت عالقة في ذاكرة العائلة، من دون أن تقود إلى جواب أو تفتح باباً لمعرفة مصيره.

منذ اختفائه عام 1982، بدأت زوجته جميلة رحلة البحث عن زوجها المفقود. ذهبت إلى سوريا، ودفعت المال أملاً في الحصول على أي خبر يقودها إليه، لكن كل المحاولات انتهت من دون نتيجة. "لا أثر لوالدي في أي مكان"، وفق فردوس.

تعيش العائلة على وقع أي خبر جديد، حتى إن اكتشاف مقابر جماعية يتحول بالنسبة إليها إلى خيط محتمل قد يقود إلى الحقيقة، مهما كانت قاسية. تروي فردوس: "كلما عثروا على مقبرة جماعية نتأمل أن نعرف أي شيء، لكننا نعود خائبين… لا شيء يخص والدي".

أبناء رياض الآغا الأربعة من دون شقيقهم الأصغر، في غياب والدهم المفقود. (الصورة من ابنته فردوس)

ترفض فردوس الاعتراف بموته. تقول: "لم نستلم رفاته ولا أي شيء منه، لا يمكنني أن أعلن موته ونحن نجهل مصيره". وبعد 45 عاماً، ما زالت فردوس، كما عائلتها، تنتظر عودة والدها. توضح أن "البعض يترحم على والدي باعتبار أن الرحمة تجوز للأحياء كما الأموات، أما أنا فما زلت أنتظر أن يدخل منزلنا ويناديني".

تحاول فردوس أن تتمالك نفسها، لكنها سرعان ما تبكي بحرقة قلب طفلة انتظرت والدها عمراً. تصرّ على زيارة الأماكن التي اعتاد ارتيادها في حياته اليومية: البحر، المقهى، وأحياء صيدا القديمة. كل مكان يعيد إليها شيئاً من ذكرياته، وكأن جزءاً منه ما زال عالقاً هناك منذ 45 عاماً. تبكي وهي تعترف: "يا ليت الحيطان تتكلم حتى تخبرني عن والدي. أحياناً أستنجد بالأشياء لتتكلم وتخفف من وجع هذا الفقدان".

تستحضره ببعض الأغاني، ومنها أغنية لفيروز "بندهلك ما بقدر شوفك ولا بقدر احكيك، بندهلك خلف الطرقات وخلف الشبابيك. بجرب اني انساك بتسرق النسيان بفتكر لقيتك رجعلي يلي كان…" فتجد في كلماتها ما يشبه حكايتها مع الغياب والانتظار.

تخاف أن يصبح اسمه، مع مرور الزمن، طيّ النسيان، لذلك تتمسّك بإبقاء قضيته حيّة، علّها تنجح يوماً في معرفة خبر عنه، أي خبر، يطفئ شيئاً من قلق عائلة الآغا. وربما لهذا السبب سمّت ابنها "رياض"، ليبقى الاسم حاضراً في المنزل، وكأنها تحاول، بهذه الطريقة، استحضار والدها الغائب ولو لفظياً.

عثر الأهالي عليه مقتولا بطلق ناري في الرأس على حافة أحد الطرق.

لا يكمن سرّ النهضة الاقتصادية في الأرقام المالية وحدها، بل في تطوير البنية التحتية لأحد أكثر القطاعات التي تحرّك الأسواق وتسرّع النمو: قطاع الخدمات اللوجستية.

ضبطهما صاحب أحد محال المجوهرات أثناء قيامهما بسرقة مجوهرات بطريقة احترافيّة تعتمد على الخفّة

أعلن المكتب الإعلامي للنائب اللبناني جبران باسيل أنه خضع لعملية جراحية بسيطة تكلّلت بالنجاح، مؤكداً أن وضعه الصحي ممتاز وأنه سيستأنف نشاطه السياسي المعتاد اعتباراً من الغد.


المصدر: جريدة النهار

مقالات ذات صلة

واتساب تواصل معنا