من 1982 إلى 2026… النضال في قضية مخطوفي الحرب الأهلية ورثه الأحفاد!

في باحة "مسرح المدينة"، يقف عشرات من ذوي المخطوفين في الحرب الأهلية اللبنانية في اليوم العالمي للمخفيين والمخطوفين قسراً. مرّ أكثر من 40 سنة على خطف معظمهم، ولا يزال ثمة من يسأل: أين هم، حتى ولو كانوا أمواتاً… أين دُفنوا؟نڤين طنانة، ابنة أخت المفقود عدنان وهبة، تقول إن خالها حين خُطف عام 1975 كان على وشك أن يتزوج ويبني عائلة، وفجأة اختفى، وتضيف: "أشعر دائماً أن جدتي توفيت قهراً على ابنها، سألت عنه في كل مكان ولا أثر له، لو كان متوفياً كان الأمر أسهل، نعلم مصيره ونزور شاهد قبره".وتعتبر أن هذه القضية محقّة وإنسانية، ويجب أن تُتناقل من جيل إلى جيل، لذا تصطحب أولادها معها من الجنوب، رغم كل ظروف الحرب، إلى فعالية كل عام في بيروت، كما فعلت أمها معها، التي كانت منذ تسعينيات القرن الماضي تسأل عن مصير شقيقها.
كشف المصير يعني نهاية القضية
في حديث الى "النهار"، تؤكد رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، وداد حلواني، أن كشف مصير هؤلاء الأشخاص ليس إرضاءً لشخص أو لعائلة، بل احترام لكرامة الإنسان، شارحةً: "هذه القضية لا تموت سوى بالكشف الفعلي لمصير أي مخطوف، وهذا يتطلب تعاوناً جدياً من الحكومة الحالية".فعالية هذا العام حملت اسم "حقكن تعرفوا"، ونُظمت لتتوجه إلى فئة الشباب من أحفاد المفقودين وغيرهم، لتعريفهم على القضية وتفادي خفوتها في السنوات المقبلة. "النهار" حضرت الفعالية التي أُقيمت الثلاثاء 25 آب الجاري، وفعلاً كان لافتاً وجود الشباب وسط الوجوه الستينية والسبعينية التي اعتادت المشاركة في هكذا أنشطة.حفيدة المفقود عبدالله الحموي، ابتسام حموي، ترى أن “هذه القضية تكبر مع الزمن، والدليل على ذلك أن جدي خُطف في عام 1978، وأنا اليوم في عام 2026 أطالب بكشف مصيره".التحقيق يرتكز في هذه القضية على الوصول إلى مقابر جماعية وتحليل الحمض النووي لما بقي من رفات، لكن بحسب ما علمت "النهار"، لا قدرة للجسم الطبي في لبنان على إجراء عدد من هذه الفحوصات، لذا ثمة تواصل مع بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي وعدت المعنيين بإنشاء مركز في لبنان لإجراء هذه الفحوصات والمساعدة على ختم الملف.
التاريخ النضالي في القضية
ليس ما يحصل اليوم وليد المصادفة، إنما هو نتيجة مخاضٍ طويل من المطالبات وطرح الأسئلة. بدأت القصة في 24 تشرين الثاني 1982، يوم سارت مئات النساء من أمام جامع عبد الناصر في كورنيش المزرعة باتجاه رئاسة مجلس الوزراء في الصنائع، بدعوة من وداد حلواني التي كانت تبحث عن زوجها عدنان وكانت تجري مقابلة على إحدى الإذاعات اللبنانية. تمثّلت الجموع يومها بأربع نساء لمقابلة رئيس الحكومة آنذاك شفيق الوزان، الذي أقرّ بعجز الدولة أمام سلطة الميليشيات.بعد ذلك، تحوّلت دار الفتوى إلى مساحة تجمع للأهالي، بحيث بدأ تسجيل أسماء المفقودين وتنظيمها في لوائح، واستمرّت التحركات طوال سنوات الحرب. وبعد الطائف وإقرار قانون العفو عام 1991، عادت الأمور إلى النقطة الصفر، وسقطت عملياً بفعل القانون المحاسبة عن أي مرتكب.بين عامي 2000 و2005، شُكّلت ثلاث هيئات رسمية للتحقيق، من دون أن تقدم معلومات مفيدة. وفي 2014، شكّل حصول الأهالي على ملف التحقيق الرسمي، الذي أقرّ بوجود مقابر جماعية.عام 2018، وبعد 36 عاماً من النضال، توصل البرلمان إلى قانون المفقودين والمخفيين قسراً الذي حمل الرقم 105، لكن صدوره لم ينهِ المعركة. فلا يزال الأهالي يناضلون من أجل تطبيقه ومعرفة مصير أحبائهم، أحياء كانوا أم أمواتاً.
هذا القانون، المعروف بقانون المفقودين والمخفيين قسراً، يرمي إلى معالجة قضية الأشخاص الذين فُقدوا أو أُخفوا قسراً، ويعترف رسمياً بحق عائلاتهم في معرفة مصيرهم ومكان وجودهم أو مكان رفاتهم في حال وفاتهم. ويعرّف القانون المفقود والمخفي قسراً، ويمنح العائلات حق الوصول إلى المعلومات المتعلقة بمصير ذويها، كما يلزم من يملك معلومات عن المفقودين أو أماكن دفنهم الإفصاح عنها للجهة المختصة.كذلك، ينص على إنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً، ويمنحها صلاحيات البحث والتحقيق وجمع المعلومات وتحديد مواقع الدفن واستخراج الرفات والتعرّف إلى هويات أصحابها، بما في ذلك عبر فحوص الـDNA (شُكّلت منذ تاريخ إقرار القانون هيئتان ولم تعطِ أيّ منهما نتيجة). كما يتيح حماية مواقع الدفن ومنع الأعمال التي قد تؤدي إلى طمس الأدلة، وينص على تعويضات مادية ومعنوية للمفقودين والمخفيين وذويهم.
لا يكمن سرّ النهضة الاقتصادية في الأرقام المالية وحدها، بل في تطوير البنية التحتية لأحد أكثر القطاعات التي تحرّك الأسواق وتسرّع النمو: قطاع الخدمات اللوجستية.
اقرأ في النهار Premium
المصدر: جريدة النهار



