الوقاية بنمط حياة صحي تقي 40 بالمئة… المعركة مع السرطان تنتقل من العلاج إلى الوقاية!

لم نكن نتوقّع يوماً أنّ مقولة الوقاية خير من العلاج قد تنطبق يوماً على مرض السرطان. لكن التطوّر العلمي جاء لينقل المعركة مع السرطان من العلاج إلى الوقاية. ليس من الناحية الغذائية التي اعتدنا سماع نصائحها فقط، إنما أصبح التدخّل الطبي الوقائي للمرض في مراحل مبكرة وقبل حدوثه حتى.في هذا الإطار، يتحدث أستاذ الطب المتخصص في أمراض الدم والأورام، ومدير الخدمات السريرية، والمدير الطبي للعيادة التخصصية في معهد نايف باسيل لعلاج السرطان في المركز الطبي بالجامعة الأميركية في بيروت الدكتور حازم عاصي، إلى "النهار" عن أوجه مختلفة من الوقاية.هل انتقلت المعركة المقبلة ضد السرطان من علاج المرض إلى منع حدوثه؟نعم، يجيب عاصي، النجاح الأخير للقاح الميلانوما (سرطان الجلد) في التجارب السريرية من المرحلة الثالثة هو أوضح إشارة على هذا التحوّل، لكن يجب توضيح نقطة أساسية، أنّ هذا اللقاح ليس وقائياً بالمعنى الحرفي. فهو لقاح شخصي قائم على mRNA يُعطى لمرضى استؤصلت أورامهم جراحياً (المرحلة IIB حتى IV)، إلى جانب دواء كيترودا (Keytruda). النتائج التي أعلنتها شركتا موديرنا وميرك في 19 آب 2026 أظهرت تحسناً "ذا دلالة إحصائية وسريرية" في مؤشرين: البقاء دون عودة المرض (RFS) والبقاء دون انتشار بعيد للورم. بمعنى آخر: هو لقاح "معالج" يمنع الانتكاسة، وليس لقاحاً يُعطى لشخص سليم لمنع إصابته أصلاً بالسرطان. لكنه يفتح الباب فعلياً أمام فكرة أوسع هي "اعتراض السرطان".هل يمكن إيقاف تفاعل الأورام قبل أن تتحوّل إلى سرطان خبيث؟نعم، جزئياً، بحسب عاصي، وهذا مثبت الآن بدليل علمي مباشر. ففي دراسة نُشرت في مجلة Science (آذار 2026) من جامعة بنسلفانيا أظهرت أنّ استهداف آفات ما قبل سرطانية مجهرية في البنكرياس بعلاج تجريبي (مثبطات KRAS) ضاعف تقريباً معدل البقاء في نماذج فأرية للسرطان، مقارنة بإعطاء العلاج نفسه بعد تشكّل الورم الفعلي. وقد وصفها الباحث الرئيسي بأنها "أول دليل استباقي (proof-of-concept) على أنّ اعتراض السرطان طبياً يعمل بشكل أفضل من العلاج بعد التشخيص". لكن هذا حتى الآن على الفئران، ولم يُختبر بعد على البشر لهذا النوع من التدخل الجزيئي.
ما هي التغيرات الفسيولوجية السابقة للورم؟ وهل "اعتراض السرطان" ممكن؟يفنّد عاصي التغيرات المرصودة علمياً:• طفرات جينية متراكمة بهدوء في الخلايا تمنحها ميزة ضد المناعة• توسع نسيلي دموي (clonal hematopoiesis) — مجموعات خلايا طافرة صغيرة تنمو بصمت مع التقدم بالعمر، دُرست جيداً في الدم• آفات ما قبل سرطانية مرئية (شامات، سلائل، خلل تنسّج نسيجي)وطرق الاعتراض المُثبتة حالياً بمستويات أدلة متفاوتة:- اعتراض آلي/جراحي، مُثبت وروتيني، مثل استئصال سلائل القولون بالتنظير- اعتراض مناعي موضعي، مستوى الدليل فيه هو تجربة مرحلة 1 على بشر، مثل حقن نيفولوماب داخل آفات ما قبل سرطانية في الفم (MD Anderson، AACR 2026) قلّص حجم الآفات وجنّب أغلب المرضى الجراحة- اعتراض جزيئي مستهدف، مستوى الدليل فيه هو نماذج حيوانية فقط، مثل مثبطات KRAS في البنكرياس (دراسة Science 2026) هل يمكن الوقاية من السرطان مع ذوي الاستعداد الوراثي المرتفع؟يؤكد عاصي بالقول "نعم"، وهذا المجال الأكثر نضجاً سريرياً اليوم، بأربع ركائز مثبتة:- مراقبة مكثفة مبكرة (رنين مغناطيسي بدل الماموغرام لحاملات BRCA)- جراحة وقائية (استئصال ثدي/مبيض وقائي لحاملات BRCA1/2)- علاج كيميائي وقائي (تاموكسيفين لحالات ثدي عالية الخطورة)- استشارة وراثية لتحديد الفئة المستهدفة أصلاًهل يحمل شخص سليم مؤشرات سرطان قد تظهر بعد سنوات؟ ومتى نتدخل؟
نعم، بحسب عاصي، والتوسع النسيلي الدموي الصامت مثال مباشر: خلايا طافرة تتراكم في دم أشخاص أصحاء تماماً، ترفع احتمال الإصابة لاحقاً بسرطانات الدم (وحتى أمراض قلبية وعائية)، لكن أغلب حامليها لن يُصابوا بالسرطان إطلاقاً. وبخصوص التدخل، لا يوجد بروتوكول علاجي معتمَد للتدخل الفوري عند اكتشافها، والنهج القياسي حالياً هو المراقبة الدورية فقط، لأنّ التدخل المبكر جداً بلا دليل كافٍ قد يسبب ضرراً (آثار جانبية، قلق نفسي) أكبر من فائدته المحتملة.هل يحوّل الكشف المبكر جداً أصحاء إلى مرضى تحت المراقبة؟يوضح عاصي أنّ هذا خطر حقيقي موثق علمياً وليس افتراضاً نظرياً، ويُعرف بمصطلحين محددين في الأدبيات الطبية:- Overdiagnosis (التشخيص الزائد): اكتشاف تغيرات لن تتطور أبداً إلى سرطان خطير، لكنها تُعالج كأنها كذلك.- الأثر النفسي: نتيجة إيجابية على اختبار بحساسية متوسطة (كـ Galleri) تعني عملياً أن نسبة من الأصحاء ستخضع لتصوير وخزعات إضافية، وقد تبقى بعض النتائج (كالتوسع النسيلي) غامضة لسنوات دون تشخيص حاسم.وهذا بالضبط سبب تحفظ الجمعيات الطبية الكبرى عن التوصية الروتينية الواسعة بهذه الاختبارات حتى الآن.
ما هو البروتوكول الوقائي المعتمَد للكشف المبكر؟يفنّد عاصي البروتوكولات الوحيدة المثبتة والمعتمدة عالمياً حالياً (بخلاف MCED التجريبية):
ما فعالية اللقاحات الوقائية؟يشرح عاصي أنّ اللقاحات الوقائية الحقيقية (وليست العلاجية):- لقاح HPV: فعال جداً ومثبت في الوقاية من سرطان عنق الرحم وسرطانات أخرى مرتبطة بالفيروس- لقاح التهاب الكبد B: يقي من سرطان الكبد المرتبط بالفيروس.ما دور نمط الحياة في الوقاية؟بحسب عاصي، نصائح نمط الحياة المدعومة بالأدلة في إطار الوقاية:• الإقلاع عن التدخين (أعلى عامل خطر منفرد)• تقليل الكحول• الحفاظ على وزن صحي• النشاط البدني المنتظم• الحماية من الأشعة فوق البنفسجية• أخذ لقاحات HPV والتهاب الكبد Bهل فعلاً 40 في المئة من السرطانات يمكن الوقاية منها؟نعم، يؤكد عاصي، وهذا رقم علمي موثق، ويستند إلى تحليل شامل لمنظمة الصحة العالمية ووكالتها IARC، نُشر في Nature Medicine، غطّى 185 دولة و36 نوع سرطان و30 عامل خطر قابل للتعديل (بينها 9 أنواع عدوى للمرة الأولى).تفصيل أرقام التحليل:• التبغ: 15 في المئة من الحالات الجديدة عالمياً• العدوى(HPV، التهاب الكبد، جرثومة المعدة: • الكحول• الوزن الزائد، الأشعة فوق البنفسجية، الخمول البدني
اقرأ في النهار Premium
المصدر: جريدة النهار




