عقوبات أمريكية على رئيسة الجنائية الدولية تثير غضب اليابان.. ما القصة؟

وبينما وصفت اليابان الإجراء بأنه "مؤسف جدا"، اعتبرت المحكمة أن العقوبات تمثل تهديدا لسيادة القانون الدولي، في حين دافعت الإدارة الأمريكية عن خطوتها باعتبارها حماية لسيادة الدول ومواجهة لما تصفه بـ"تسييس" المحكمة.
ويأتي القرار في إطار حملة أمريكية متصاعدة ضد المحكمة الجنائية الدولية، على خلفية تحقيقاتها ومذكرات التوقيف التي أصدرتها بحق مسؤولين من دول لا تعترف باختصاص المحكمة، وفي مقدمتها إسرائيل.
أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني، التي تولت في مارس/آذار 2018 منصبها رسميا في ولاية مدتها 9 سنوات، وتعد أول رئيسة للمحكمة تستهدفها واشنطن بمثل هذه الإجراءات.
كُلفت أكاني بالعمل بشكل رئيسي في الدائرة التمهيدية الثانية، التي أصدرت يوم 17 مارس/آذار 2023 مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بشأن مزاعم ارتكابه جرائم حرب تتعلق بترحيل أطفال ونقلهم بصورة غير قانونية من أوكرانيا.
كما استهدف القرار القاضي السنغالي عبد الله سي نائب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، وهو كبير محامي الادعاء ضمن فريق الادعاء الذي طلب إصدار مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما ترشح لانتخابات القضاة في المحكمة.
تشمل العقوبات على أكاني وسي تجميد أي أصول أو مصالح مالية لهما داخل الولايات المتحدة أو ضمن النظام المالي الأمريكي.
كما تحظر العقوبات إجراء أي تعاملات مالية أو تجارية معهما عبر النظام المالي الأمريكي، وهو إجراء يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى الارتباط الوثيق لغالبية البنوك والمؤسسات المالية الدولية بالدولار والنظام المصرفي الأمريكي.
وتندرج العقوبات ضمن أمر تنفيذي وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يتيح للإدارة الأمريكية فرض تدابير عقابية على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية.
سارعت طوكيو إلى التعبير عن استيائها من العقوبات الأمريكية، إذ أكدت وزارة الخارجية اليابانية أن الإجراءات "مؤسفة جدا"، مشددة على أن اليابان دعمت المحكمة الجنائية الدولية باستمرار في جهودها الرامية إلى ملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية ومعاقبتهم، وترسيخ سيادة القانون على المستوى الدولي.
وتكتسب القضية حساسية خاصة بالنسبة لليابان لعدة أسباب؛ أولها أن توموكو أكاني مواطنة يابانية، وأول يابانية تتولى رئاسة المحكمة.
كما تعد اليابان من أكبر المساهمين في تمويل المحكمة الجنائية الدولية ومن أبرز الداعمين لها سياسيا وقانونيا، فضلا عن كونها حليفا استراتيجيا وثيقا للولايات المتحدة.
بررت الإدارة الأمريكية العقوبات باتهام مسؤولي المحكمة بتجاوز الولاية الممنوحة لها والتدخل في شؤون دول لم توافق على اختصاصها القضائي.
وقال وزير الخارجية ماركو روبيو إن أكاني وعبد الله سي شاركا بشكل مباشر في جهود المحكمة للتحقيق أو توقيف أو محاكمة مسؤولين من حكومات لم تقبل اختصاص المحكمة.
وكررت واشنطن موقفها التقليدي الرافض لأي محاولة من المحكمة لملاحقة مواطنين أمريكيين أو مسؤولين من دول حليفة للولايات المتحدة ليست أطرافا في نظام روما الأساسي.
وذهب روبيو إلى وصف المحكمة بأنها "هيئة فوق وطنية فاسدة ومسيّسة للغاية"، متهما إياها بإساءة استخدام سلطاتها وتجاوز ولايتها القانونية، ومؤكدا أن الولايات المتحدة "لن تتسامح مع المساس بسيادة الدول.
رفضت المحكمة الجنائية الدولية العقوبات الأمريكية بشدة، معتبرة أنها تمثل استهدافا مباشرا لاستقلال القضاء الدولي.
وقالت المحكمة إن الإجراءات التي تستهدف القضاة والمدعين العامين والموظفين العاملين فيها "تقوض سيادة القانون"، محذرة من أن تهديد المسؤولين القضائيين بسبب تطبيقهم للقانون يعرّض النظام القانوني الدولي بأكمله للخطر.
وأكدت المحكمة أن هذه التدابير لن تثنيها عن مواصلة عملها، مجددة التزامها بالاستقلال والحياد ودعم ضحايا الجرائم الدولية الجسيمة، ومشددة على وقوفها إلى جانب موظفيها في مواجهة الضغوط السياسية.
هولندا، التي تستضيف المحكمة في مدينة لاهاي، أعربت بدورها عن رفضها للعقوبات الأمريكية الجديدة.
وأكد وزير الخارجية الهولندي، توم بيرندسن، أن بلاده لا توافق على الإجراءات المفروضة على مسؤولي المحكمة وموظفيها.
وشدد الوزير الهولندي على أن المحاكم والهيئات القضائية الدولية يجب أن تكون قادرة على أداء مهامها بحرية ودون ضغوط سياسية.
رحبت إسرائيل بالخطوة الأمريكية، إذ بادر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى توجيه الشكر لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على ما وصفه بالقيادة الحازمة في مواجهة "انتهاكات المحكمة الجنائية الدولية غير المشروعة".
كما اعتبر نتنياهو -المطلوب للجنائية الدولية بتهم ارتكاب إبادة جماعية– أن المسؤولين عن المحكمة يجب أن يتحملوا تبعات قراراتهم.
وقبل ذلك بعام، أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على خلفية الحرب في أوكرانيا وترحيل أطفال أوكرانيين إلى روسيا، ما دفع موسكو إلى الرد بإجراءات مضادة واستهداف مسؤولين في المحكمة بمذكرات توقيف روسية.
تأسست المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي عام 1998، وبدأت عملها رسميا عام 2002.
وتتمثل مهمتها في محاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب أخطر الجرائم الدولية، وهي جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان.
وتقع المحكمة في مدينة لاهاي الهولندية، وتعمل كملاذ أخير عندما تعجز الأنظمة القضائية الوطنية أو تمتنع عن ملاحقة المتهمين بتلك الجرائم.
ورغم اتساع عضوية المحكمة، فإن بعض القوى الكبرى ليست أعضاء فيها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل، وهو ما شكل منذ سنوات مصدرا دائما للخلاف بشأن حدود صلاحياتها واختصاصها القضائي.
ومع ذلك، يمنح نظام روما الأساسي للمحكمة السلطة في ملاحقة الجرائم الخطيرة المرتكبة على أراضي الدول الأعضاء حتى لو كان مرتكبوها من مواطني دول غير أعضاء.
المصدر: الجزيرة



