من “عماليق” إلى “اقتله أولا”.. كيف يوظف نتنياهو الدين في خطاب الحرب؟

قال نتنياهو في خطابه إن "إسرائيل غيرت عقيدة أمنها"، مضيفا "نحن نبادر، نهاجم، نفاجئ، ونهاجم الأعداء الذين يسعون إلى تدميرنا والذين يتطلعون إلى قتلنا، نهاجمهم قبل أن تتاح لهم الفرصة للقيام بذلك".
ثم أحال إلى نص من التلمود البابلي يحمل المعنى نفسه، مؤكدا أن هذا التوجه يعكس -وفق تعبيره- استجابة عقلانية للتهديدات الوجودية.
لم تكن تلك المرة الأولى، فقد ازداد خلال العامين الماضيين استدعاء نتنياهو للنصوص الدينية عند حديثه عن الحرب والعدو والتهديد الوجودي، في مسار امتد من غزة ولبنان إلى إيران، قبل أن يصل هذه المرة إلى شرح العقيدة الأمنية نفسها.
مع الحرب على غزة، صار حضور النصوص الدينية أوضح في خطاب نتنياهو، ففي 25 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قال في خطاب متلفز: "نحن أبناء النور بينما هم أبناء الظلام، وسينتصر النور على الظلام"، قبل أن يستحضر "نبوءة إشعياء"عن زوال العنف والخراب من أرض إسرائيل.
وبعدها بأيام، وهو يخاطب جنودا إسرائيليين، استحضر نتنياهو قصة العماليق، وهم قوم تصفهم التوراة بأنهم من أعداء بني إسرائيل، قائلا: "يجب أن تتذكروا ما فعله عماليق بكم، كما يقول لنا كتابنا المقدس. ونحن نتذكر ذلك بالفعل".
وفي نقاش حكومي سبق الهجوم، قال نتنياهو: "هذه المرة لا نتذكر فقط ما فعله بنا عماليق، بل نقوم بمحوه أيضا".
ولم يبق توظيف النص الديني حبيس الخُطب، فقد انتقل إلى أسماء العمليات نفسها.
فقبل ضرب إيران في يونيو/حزيران 2025، صُوّر نتنياهو وهو يضع ورقة مكتوبة بخط اليد في حائط البراق، نشر مكتبه صورتها لاحقا، وتحمل عبارة "سينتفض الشعب كالأسد". ومن هذه العبارة، المستلهمة من سفر العدد، جاء اسم العملية "شعب كالأسد".
وفي الحرب على غزة، تكرر هذا النمط في أكثر من عدوان وعملية عسكرية، من "السيوف الحديدية" إلى "عربات جدعون"، المستوحاة من شخصية جدعون في الكتاب العبري.
ويقول جوليون ميتشل -الأستاذ في جامعة دورهام- في حديث للجزيرة إن تأطير الحرب دينيا يساعد القادة على "تبرير الفعل، وتعبئة الرأي السياسي، وحشد الدعم"، محذرا من أن شيطنة الخصم وتجريده من إنسانيته تجعل بناء السلام بعد الحرب أكثر صعوبة.
أما إبراهيم أبو شريف -الأستاذ المشارك في جامعة نورث وسترن بقطر– فيحدد 3 وظائف لهذه اللغة: التعبئة الداخلية، والتأطير الحضاري، وبناء السردية الإستراتيجية.
ويشرح أن تصوير المواجهة باعتبارها صراعا بين "الحضارة والتطرف"، أو بين "الخير والشر"، يحوّل نزاعا إقليميا معقدا إلى "دراما أخلاقية" يسهل على الجمهور استيعابها.
ومع ذلك، يؤكد أبو شريف أن "الحرب نفسها ليست لاهوتية، بل جيوسياسية". فالنص الديني لا يفسر وحده قرار الحرب، لكنه يساعد في صياغة القصة التي تُروى بها للجمهور، ويجعل مساحة التسوية أضيق عندما يُقدَّم الصراع بلغة مقدسة.
لم تبق هذه اللغة محصورة في خطاب القيادة السياسية، بل ظهرت أيضا داخل المؤسسة العسكرية، في وقت يدور فيه بإسرائيل نقاش منذ سنوات بشأن حضور التيارات الدينية القومية في صفوف الجيش.
ومن الأمثلة على ذلك رسالة وجهها قائد لواء غفعاتي وقائد الكتيبة 8119 إلى جنودهما، جاء فيها أنهم يخوضون "حربا لتطهير الأرض من العدو الذي يسب رب الكون".
وامتد الأمر إلى مواد دينية وزعها حاخامات في الجيش على جنود في الجبهات، تضمنت عبارات منها "عدم جواز إظهار الرحمة في أوقات الحرب"، بينما نشر جنود مقاطع ظهرت فيها كلمات مثل "عماليق" و"اقتلهم أولا" مكتوبة على قذائف وصواريخ قبل إطلاقها.
ولا يعني ذلك أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية أصبحت عقيدة دينية، لكنه يكشف عن وصول قاموس ديني قومي إلى بعض مستويات التعبئة العسكرية، بالتوازي مع حضوره المتزايد في خطاب القيادة السياسية.
ومن الميدان، عادت كلمة "عماليق" لتظهر في سياق مختلف تماما: أمام محكمة العدل الدولية.
ففي يناير/كانون الثاني 2024، استشهدت جنوب أفريقيا بإشارة نتنياهو إلى "عماليق" ضمن حججها المتعلقة بالنية في قضية الإبادة الجماعية في غزة.
ورد محامي إسرائيل مالكولم شو بأن التصريح أُخرج من سياقه، وقال إن نتنياهو أتبع الإشارة بالحديث عن أن الجيش الإسرائيلي "الأكثر أخلاقية" ويتجنب قتل الأبرياء.
غير أن المقاطع المتاحة للتسجيل لا تتضمن تلك العبارة مباشرة بعد الحديث عن عماليق.
ومن "تذكروا ما فعله عماليق" في غزة، إلى "نقوم بمحوه" في إيران، وصولا إلى "اقتله أولا" عند شرح العقيدة الأمنية، يتسع حضور هذا القاموس كلما اتسعت الحرب.
ولا يثبت ذلك أن النص الديني هو الذي يحدد قرار الحرب، لكنه يكشف كيف بات جزءا من اللغة التي يشرح بها نتنياهو تلك القرارات ويمنحها معناها، ويقدمها إلى جمهوره بوصفها مسألة بقاء، لا مجرد خيار سياسي قابل للمراجعة.
المصدر: الجزيرة

