رياضة

أين تذهب أموال صيانة العقارات في مصر؟.. ودائع بمئات الملايين تحت المجهر

دفع خالد محمد مئات الآلاف من الجنيهات كوديعة صيانة لوحدته في أحد المشروعات العقاريةفي مصر قبل أكثر من عام، رغم أن المشروع الذي اشتراه منذ أربع سنوات لم يقترب بعد من التشغيل. وبينما يفترض أن تودع هذه الأموال في حسابات مخصصة للصيانة والتشغيل وتدر عائداً يساعد على الحفاظ على المرافق مستقبلاً، يقول إنه لا يعلم أين تدار هذه الأموال أو حجم العائد المتحقق منها أو كيفية التصرف فيه.

ولا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة لصفوت يوسف، الذي سدد نحو 700 ألف جنيه كوديعة صيانة لوحدة تبلغ قيمتها نحو 7 ملايين جنيه داخل أحد الكمبوندات. ورغم أن الوديعة مودعة في حساب يفترض أن يحقق عائداً دورياً، فإنه يتلقى بين الحين والآخر مطالبات بسداد فروق صيانة إضافية، فيما لا تتوافر لديه معلومات حول أوجه الإنفاق أو الرصيد المتبقي من الأموال المحصلة.

وتسلط هذه التساؤلات الضوء على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في السوق العقارية المصرية، وهي ودائع الصيانة التي يدفعها المشترون عادة بنسبة تتراوح بين 8% و10% من قيمة الوحدة، وسط مطالب متزايدة بمزيد من الشفافية بشأن إدارتها والإفصاح عن عوائدها وآليات إنفاقها.

في المقابل، يقول المطورون العقاريون إن المشكلة لا تكمن في غياب الموارد بقدر ما ترتبط بارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة بوتيرة تفوق نمو العوائد المتحققة من تلك الودائع، وهو ما يخلق فجوة متزايدة بين الموارد المتاحة والنفقات المطلوبة للحفاظ على مستوى الخدمات داخل المشروعات.

بحسب القواعد التنظيمية الحالية والتوجهات التشريعية الجاري إعدادها، يفترض أن تودع أموال الصيانة والتشغيل في حسابات مستقلة ومخصصة لهذا الغرض، وألا تدرج ضمن أموال المشروع أو تستخدم في تمويل الإنشاءات أو أي أنشطة أخرى. كما تتجه الحكومة إلى تشديد الضوابط المنظمة لإدارة تلك الأموال ضمن مشروع قانون تنظيم السوق العقارية الجاري إعداده.

وقالت وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، راندة المنشاوي، إن المسودة المقترحة لمشروع قانون تنظيم السوق العقارية تتضمن فصلاً كاملاً خاصاً بإدارة أموال الصيانة والتشغيل، يلزم المطورين بإيداع هذه الأموال في حساب مستقل وعدم اعتبارها جزءاً من أموال المشروع أو المرحلة، مع إخضاعها للمراجعة المالية والتدقيق القانوني.

ويستند جزء من هذه الترتيبات إلى قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2184 لسنة 2022 الخاص بضوابط بيع وحدات مشروعات التطوير العقاري وضمان حقوق المشترين، والذي أرسى مبدأ الفصل بين الحسابات المالية للمشروعات وإخضاعها لرقابة وتدقيق دوري.

يرى المطورون أن الجدل الدائر حول ودائع الصيانة لا يمكن فصله عن الزيادة الكبيرة في تكاليف التشغيل خلال السنوات الأخيرة، سواء فيما يتعلق بالأمن والنظافة والحدائق والطاقة أو إدارة البنية التحتية والمرافق.

وقال المدير العام لشركة سوديك، أيمن عامر، إن مصروفات التشغيل والصيانة بالشركة تبلغ نحو مليار جنيه سنوياً، في ظل اتساع المحافظ العقارية وارتفاع تكاليف التشغيل.

وأضاف أن تعثر عدد محدود من العملاء في سداد التزاماتهم قد ينعكس ب

يقول نائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة حسن علام العقارية، محمد علام، إن الشركات تسعى إلى تحقيق أفضل عائد ممكن على ودائع الصيانة ضمن الأطر القانونية المنظمة لإدارتها، لكن العوائد المحققة لم تعد في بعض الأحيان كافية لمواكبة القفزات التي شهدتها تكاليف التشغيل والصيانة خلال الأعوام الأخيرة.

ويتفق معه رئيس المجلس التصديري للعقار والعضو المنتدب لشركة رؤية القابضة، هشام شكري، الذي يرى أن الفجوة تتسع تدريجياً مع ثبات قيمة الوديعة لفترات طويلة مقابل ارتفاع أسعار الخدمات والطاقة والعمالة ومستلزمات التشغيل.

أما الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة مصر إيطاليا العقارية، كريم خالد العسال، فيؤكد أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب قدراً أكبر من الإفصاح والشفافية، من خلال إتاحة معلومات واضحة للعملاء حول عناصر التكلفة والعوائد المتحققة وأوجه الإنفاق الفعلية، بما يعزز الثقة بين المشترين والمطورين.

ورغم وجود حسابات مخصصة للصيانة، فإن عدداً من الملاك يقولون إن المشكلة الأساسية تكمن في محدودية المعلومات المتاحة لهم.

ويقول صفوت يوسف إنه لا يعترض على مبدأ وديعة الصيانة في حد ذاته، لكنه يتساءل عن حجم الأموال المتبقية من الوديعة، والعوائد التي حققتها منذ إيداعها، وكيفية إنفاقها، لا سيما مع استمرار مطالبته بسداد فروق صيانة إضافية.

في المقابل، يتساءل خالد محمد عن مبررات تحصيل وديعة الصيانة في مرحلة لا يزال المشروع فيها بعيداً عن التشغيل الفعلي، وعن مصير العوائد المتحققة من الأموال المودعة قبل بدء تقديم الخدمات للسكان.

يرى المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا، ذكي ثابت، أن الخلافات المتعلقة بودائع الصيانة ترجع في كثير من الأحيان إلى ضعف الإفصاح الدوري للعملاء، مشيراً إلى أهمية توفير كشوف حساب منتظمة وميزانيات معتمدة من مراقبي الحسابات توضح الإيرادات والمصروفات وأوجه الإنفاق.

وأضاف أن بعض الشركات تحصل ودائع صيانة تتراوح بين 8% و10% من قيمة الوحدة ثم تطلب مبالغ إضافية عند التسليم أو بعد التشغيل، وهو ما يستدعي مزيداً من الوضوح التعاقدي والإفصاح المالي للمشترين.

من جانبه، قال المحامي بالنقض محمد منير إن القواعد التنظيمية الحالية تشدد على تخصيص حسابات مستقلة لأموال التشغيل والصيانة ومراجعة المصروفات من خلال مراجعين قانونيين، مع استخدام العوائد المتحققة من الوديعة في تغطية نفقات الصيانة، بينما يتحمل الملاك أي مصروفات إضافية تتجاوز تلك العوائد وفقاً لما تنص عليه العقود المنظمة للعلاقة بين الطرفين.

وأضاف أنه حتى مع تأخر المالك عن سداد فروق الصيانة لا يحق لشركة التطوير الحق في قطع المياه والكهرباء عن الملاك لأن قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 يتيح للمطور اللجوء إلى الوسائل القانونية للمطالبة بالمستحقات، دون أن يمنحه حق قطع المرافق، معتبرًا أن استخدام هذا الإجراء يمثل وسيلة ضغط على المالك لإجباره على السداد بدلًا من اللجوء إلى الطرق القانونية المقررة لتحصيل المستحقات.

تكشف أزمة ودائع الصيانة عن معضلة أوسع داخل السوق العقارية المصرية. فمن ناحية، يخشى المشترون من غياب الرقابة الكافية على أموال ضخمة يدفعونها مقدماً ولا يحصلون دائماً على معلومات واضحة عنها. ومن ناحية أخرى، يؤكد المطورون أن الارتفاع الحاد في تكاليف التشغيل خلال السنوات الأخيرة جعل نماذج التمويل التقليدية للصيانة أقل قدرة على مواكبة الواقع.

وبين الطرفين، تراهن الحكومة على التشريعات الجديدة الرامية إلى فصل أموال الصيانة عن حسابات المشروعات، وتعزيز الرقابة والشفافية والإفصاح المالي، بما يضمن حماية حقوق المشترين واستدامة تشغيل المشروعات العقارية على المدى الطويل.


المصدر: العربية

مقالات ذات صلة

↑ واتساب تواصل معنا