اعتداءات المستوطنين بالضفة تحرج حلفاء إسرائيل وتعمق عزلتها

لم تعد هراوات المستوطنين والقضبان الحديدية التي يعربدون بها في الضفة الغربية المحتلة تميز بين فلسطيني وأجنبي، ولا بين مزارع ودبلوماسي أوروبي جاء موسم قطاف الزيتون في زيارة تضامنية.
ففي أقل من يومين، تعرضت مصورة صحفية أمريكية لاعتداء وحشي بقضبان حديدية، ثم هاجم مستوطنون ملثمون، أمس السبت، وفدا دبلوماسيا أوروبيا في بلدة الطيبة شرق رام الله، وانهالوا بالضرب على رئيس بلدية فرنسي في سن 78 من عمره.
وتتزامن الواقعتان مع تصاعد ملحوظ لهجمات المستوطنين هذا العام، تزداد حدتها مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، فيما تتهم أطراف دولية الحكومة الإسرائيلية بالتساهل مع اعتداءات المستوطنين وحمايتهم، في وقت تُظهر فيه بيانات حقوقية أن الغالبية الساحقة من هذه القضايا تُغلق دون محاسبة.
تأتي اعتداءات المستوطنين الأخيرة حلقة في سلسلة متصاعدة تشهدها الضفة الغربية المحتلة بحماية جنود الاحتلال، لتزيد الضغوط الدبلوماسية على إسرائيل وتعمّق عزلتها منذ شنت حرب الإبادة على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
فحليفتها الكبرى (الولايات المتحدة) ضاقت ذرعا بتلك الهجمات، بعدما طالت صحفية أمريكية انهال عليها المستوطنون ضربا لأكثر من 10 دقائق، فخضعت لعملية جراحية، وسُلبت كاميرتها وجواز سفرها وهاتفها.
أما السفير الأمريكي مايك هاكابي، أحد أشرس المدافعين عن إسرائيل وسياساتها الاستيطانية، فقد وصف الاعتداء بأنه "وحشي ودنيء".
هاكابي، المستميت في الذود عن إسرائيل، المشكِّك في وجود الشعب الفلسطيني والداعي إلى تهجيره نحو دول الجوار، لم تُعِر اهتمامه طوال الأسابيع الماضية اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، وقد بلغت مستوى غير مسبوق. غير أنه فطن فجأة، حين مس الأذى صحفية أمريكية، إلى أن ما جرى "عمل إرهابي جبان" داعيا السلطات الإسرائيلية إلى ملاحقة المعتدين وسجنهم.
استهدف الهجوم موكبا ضم القنصل العام الفرنسي في القدس ودبلوماسيين من فرنسا وبلجيكا وبولندا، إلى جانب ممثلين عن الكنيسة الكاثوليكية، كانوا يزورون "الطيبة "ذات الغالبية المسيحية في إطار زيارة تضامنية بموسم القطاف.
وقال برنار بودو رئيس بلدية أولنوا-إيميري -لوكالة الصحافة الفرنسية- إن عدة سيارات وصلت فجأة وترجل منها مستوطنون ملثمون وجهوا شتائم للوفد، ثم انهالوا عليه بالضرب والركل بقضبان حديدية حتى سقط أرضا، رغم أنه يرتدي وشاحه الرسمي بألوان العلم الفرنسي، كما تحطم زجاج إحدى المركبات وتضررت مركبة دبلوماسية بلجيكية.
وقال بودو "إذا كان المستوطنون يتصرفون بهذه الطريقة، فهناك تسامح وتغاض من جانب الحكومة الإسرائيلية". وأضاف أنه سيعود إلى بلاده بخير، لكن "من يستمر في المعاناة الأكبر هم من يعيشون هنا".
وأظهرت مقاطع مصورة نشرها الناشط أميت أورفالي، الذي كان في الموقع، ملثمين يطرقون بإصرار على نافذة سائق إحدى المركبات مطالبين بالهويات، بينما ظهر آخرون يحملون عصيا. وقال أورفالي إن الملثمين "هددونا بالقتل".
وكان مستوطنون قد اعتدوا أول أمس في قرية أبو فلاح على الصحفية الأمريكية هايدي ليفين، المصورة الحائزة جوائز في صحيفة "واشنطن بوست" والتي تغطي مناطق النزاع منذ أكثر من 4 عقود. وترقد ليفين بمستشفى في تل أبيب بعد جراحة في اليد وإصابتها بكسور في الأضلاع وإصابات أخرى.
وقالت إنها أُجبرت على الاستلقاء أرضا وتعرضت للضرب أكثر من 10 دقائق، وإن المعتدين سرقوا كاميرتها وجواز سفرها وهاتفها.
وأضافت لوكالة أسوشيتد برس "أغطي هذه المنطقة منذ أكثر من 40 عاما، ولم أر مثل هذه الحالة من قبل". ووصفت ما جرى بأنه "إرهاب يهودي".
وجددت الصحفية الأمريكية مطالبتها بتحقيق كامل وشفاف.
ووفق وزارة الصحة الفلسطينية، قُتل 4 مواطنين على الأقل وأصيب أكثر من 100 آخرين منذ بدء موسم القطاف هذا الشهر، وهو موسم يمثل مصدر رزق أساسيا لآلاف الأسر الفلسطينية.
ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، تعرضت أكثر من 45 ألف شجرة للقطع أو الضرر في الضفة خلال النصف الأول من عام 2026، بينها أكثر من 26 ألف شجرة زيتون.
ورغم زعم الحكومة الإسرائيلية بإجراء تحقيق في تلك الحوادث، تشير بيانات منظمة "يش دين" الحقوقية الإسرائيلية إلى أن نحو 94% من التحقيقات في اعتداءات المستوطنين منذ عام 2005 أُغلقت دون توجيه لوائح اتهام، بينما لم تسفر سوى 3% منها عن إدانات كاملة أو جزئية.
وقد أثار اعتداء المستوطنين الأخير على الصحفية الأمريكية وعلى الوفد الدبلوماسي الأوروبي ردود فعل واسعة، حيث قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو "نحن منزعجون للغاية من هذه المشاهد وما نراه" مضيفا أن الرئيس دونالد ترمب "لا يريد رؤية توترات أو أزمة في الضفة الغربية.. ولا يريد رؤية شرارة جديدة".
وأوضح روبيو أن واشنطن تلقت شكاوى بشأن حوادث أخرى، وأن وزارة الخارجية طلبت معلومات من السفارة الأمريكية في القدس بشأن الاعتداء على الصحفية ليفين.
كما أدانت بلجيكا الهجوم، وقال وزير خارجيتها ماكسيم بريفو إن مركبة بلجيكية تضررت، مؤكدا أن أفراد الفريق البلجيكي بخير وفي أمان.
وأعربت الخارجية البولندية عن استيائها الشديد وأدانت الاعتداء "بأقوى العبارات" مؤكدة معارضتها المستمرة لعنف المستوطنين.
وحمّل الأردن إسرائيل، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، المسؤولية، ودعا المجتمع الدولي إلى إلزامها بوقف عنف المستوطنين ومحاسبة المسؤولين عنه.
واعتبرت الخارجية الفلسطينية أن الهجوم يدل على أن اعتداءات المستوطنين لم تعد تقتصر على الفلسطينيين، بل باتت تطال البعثات الأجنبية، وطالبت بتحرك دولي عاجل.
ووصف السفير الأمريكي لدى إسرائيل الاعتداء على ليفين بأنه "عمل إرهابي دنيء نفذه جبناء ملثمون" مطالبا باعتقال كل من شارك فيه ومحاكمته بأقصى عقوبة.
وفتحت الشرطة الإسرائيلية تحقيقا في هجوم "الطيبة" وقالت إنها تعمل على تحديد هوية المشتبه بهم وجمع الشهادات.
وفي الوقت الذي ندد فيه وزير الخارجية جدعون ساعر بمنفذي الاعتداء ووصفهم بـ"مثيري الشغب الإسرائيليين" زاعما التعاون مع سفراء الدول المعنية لإحالة المعتدين إلى القضاء، انتقد في الوقت ذاته عدم تنسيق الزيارة مسبقا مع الجيش الإسرائيلي، معتبرا أن ذلك كان سيوفر الحماية للزوار.
أما مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فقال إن العنف ضد الدبلوماسيين غير مقبول، لكنه حذر مما أسماه الاستنتاجات المبكرة، معتبرا أن الاتهامات الخطيرة تتطلب أدلة قوية، وأن المقاطع المصورة لا تثبت التسلسل الكامل للأحداث أو المسؤولية الفردية.
وأشار لوجود حملة منسقة لتشويه صورة إسرائيل والمستوطنين خلال موسم الزيتون، وأشار إلى مواقف سابقة مؤيدة للفلسطينيين لرئيس البلدية الفرنسي. وكان نتنياهو قد وصف الاعتداء على ليفين بأنه "مُدَّعى" وهو توصيف قالت الصحفية إنه صدمها وأشعرها بالإهانة.
المصدر: الجزيرة




