اقتصاد

احتجاجات متزامنة في أوروبا.. هل تنذر بثورات مخملية جديدة؟

لن يكون متاحا للسياح الاستمتاع بالتجوال في شوارع كبرى المدن الأوروبية في عطلة نهاية الأسبوع، فتزايد الإقبال في صفوف الطلاب والعمال والمتقاعدين على المسيرات الاحتجاجية ضد السياسات الحكومية وارتفاع كلفة المعيشة وتضرر قطاعات حيوية مثل التعليم والسكن، أصبح ينذر بخريف مضطرب أشبه بحركة "الثورات المخملية".

وتأتي هذه الاحتجاجات في الوقت الذي يؤجج فيه الوضع المتداعي للتعليم والرعاية الاجتماعية وترنح الأجور مقابل الارتفاع الكبير للإيجار وضغوط كلفة المعيشة، غضب قطاعات واسعة من الشباب والعائلات ذات الدخل المتوسط والمحدود والمتقاعدين.

وتلقي التحركات الصاخبة في المدن الفرنسية بظلالها بقوة على التحركات المقررة في 7 مدن أوروبية على الأقل يوم السبت.

ففي فرنسا تعود "حركة السترات الصفراء" التي هزت الشوارع قبل سنوات في احتجاجات ضد الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته، إلى ساحات النضال تنديدا بغلاء المعيشة بعد أسابيع من الاحتجاجات الطالبية.

وثمة خشية واضحة من أن يؤدي اندماج الحركتَين الاحتجاجيتَين إلى زيادة الضغوط على الحكومة قبل الاستحقاق الانتخابي.

ولا يختلف الحال في برلين وبروكسل ومدن أخرى في بلجيكا، حيث يستعد الطلاب الألمان للخروج تضامنا مع الاحتجاجات الطلابية في فرنسا، ولمعارضة خطط إعادة الخدمة العسكرية الاجبارية والانفاق العسكري في ألمانيا، بينما يحتج الطلاب في بلجيكا ضد ارتفاع الرسوم الجامعية ونقص التمويل الحكومي لقطاع التعليم.

كما تستعد إيطاليا لخريف ساخن في أعقاب تسارع التضخم بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، مع نزول طلاب وسائقي شاحنات ومزارعين إلى الشوارع قبل الانتخابات المقررة العام المقبل.

ومن المتوقع أن تشهد العاصمة روما تحركات لنقابات وحركات طلابية وأكثر من 100 جمعية مدنية السبت للمطالبة بزيادة الاستثمار في التعليم والرعاية الاجتماعية ومعارضة زيادة الإنفاق العسكري.

وقالت الخبيرة الاقتصادية والأستاذة في جامعة لويس في روما فيرونيكا دي رومانيس إن "مزيجا من العوامل المرتبطة بالخوف من المستقبل، الذي تغذيه الأوضاع الجيوسياسية والعوامل الاقتصادية، يدفع بعض الإيطاليين إلى الاحتجاج".

ويبدو أن الأزمة لن تستثني أي بلد أوروبي مع تحول احتجاجات الشباب المدعومة بمواقع التواصل الاجتماعي إلى كرة ثلج، حيث يستعد البرتغاليون إلى تصعيد احتجاجاتهم السبت في لشبونة وبورتو وكويمبرا ضد أزمة المعاشات التقاعدية وارتفاع أسعار السكن، بدعوة من الاتحاد العام للعمال البرتغاليين.

تُسلط الاحتجاجات المتفاقمة في الشوارع الأوروبية الضوء على حجم الضغوط التي تواجهها الحكومات التقليدية، حيث لم يعد ينظر إلى الدولة كطرف محايد بل عامل تمكين في ارتفاع أسعار الإيجار وترسيخ التفاوت في فرص التعليم.

ورغم أن المتظاهرين في مختلف المدن يخوضون اليوم معارك مختلفة من حيث الدوافع والمطالب، فإنها تشترك في تقدير الملاحظين، في نقطة واحدة وهي الاحتجاج على أولويات الحكومات في الميزانيات.

ويقول رودولف ديبورد، أستاذ الاقتصاد في كلية "سكِيما" للأعمال، لقناة "فرانس 24" الإخبارية الفرنسية "بطريقة ما، تجسد فرنسا اليوم ما تعاني منه القارة الأوروبية من اختلالات" يشمل ذلك الانفاق وتدني الخدمات العامة وارتفاع في مستويات الدين.

ويذهب رودولف ديبورد في تحليله قائلا: "هناك أرضية مشتركة للمطالب، إلى جانب ظاهرة ‘العدوى’ التي عززتها شبكات التواصل الاجتماعي. فهذه الحركات تستمد نوعا من الشجاعة والأمل مما يحدث في أماكن أخرى. وهذه ليست ظاهرة جديدة، فقد شهدنا أمثلة عديدة في الماضي، كما حدث إبان موجة الربيع العربي".

وفي كل الأحوال تقرع الاحتجاجات المتنامية ناقوس إنذار في دوائر الحكم الأوروبية. ففي ظل تزايد ضغوط الشارع وحرص أحزاب المعارضة على استغلالها، تواجه الائتلافات الحاكمة، لا سيما تلك التي تفتقر إلى الأغلبية، مخاطر مضاعفة في إدارة الأزمة قبل توسعها.

ففي فرنسا مثلا التي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات، ترقب تيارات اليمين المتطرف واليسار الراديكالي المزاج العام في الشوارع وعينها على نوايا التصويت في انتخابات الرئاسة في أبريل/نيسان 2027.

وفي الوقت الحالي يتصدر "حزب التجمع الوطني" اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان استطلاعات الرأي، معتمدة في حملتها على قضايا الهجرة والجريمة وانتقاد طبقة سياسية تصفها بأنها منفصلة عن الواقع. وقد تؤدي انتخابات تشريعية مبكرة عقب الرئاسية إلى تعزيز نفوذها في البرلمان.

وعلى الجانب الآخر أعادت الاحتجاجات إلى الواجهة السياسي المخضرم زعيم حزب "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشون إلى الواجهة، حيث تعهد بمراجعة توزيع الموارد ورد الاعتبار إلى الطبقة العاملة.

ويذهب تحليل لموقع مجلة "تايم" الأمريكية إلى إثارة توقعات مقلقة في أوروبا بغض النظر عن نتيجة الانتخابات الرئاسية. ووفق التحليل، فإن فوز لوبان أو ميلانشون بالرئاسة سيختبر تماسك أوروبا في كل شيء، بدءا من الدعم الموجه لأوكرانيا والعلاقات مع روسيا، وصولا إلى الهجرة والميزانيات وسلطة الاتحاد الأوروبي.

ويعتقد الخبراء أنه حتى مع احتمال فوز رئيس أكثر اعتدالا فإنه سيفتقر على الأرجح إلى ائتلاف قوي بما يكفي للحكم بفعالية، وهو ما يعكس الوضع الراهن في ألمانيا، حيث يعاني المستشار فريدريش ميرتس من انخفاض شعبيته وتزايد الدعم لحزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف.

والمخاوف قد تكون أوسع نطاقا، فاستمرار الاحتجاجات قد يهدد بدرجة أولى النمو والاستقرار المالي والسياسي في منطقة اليورو.

وتوضح "تايم" أنه مع استحواذ فرنسا وألمانيا معا على نحو 40% من اقتصاد الاتحاد الأوروبي، فإن أي ضعف سياسي في عاصمتيهما سيحرم أوروبا من محركها التقليدي في لحظة بالغة الخطورة.

وبحسب التقديرات التي تضمنها التحليل، تواجه أوروبا ضغوطا متزايدة مصدرها 3 جبهات رئيسية على الأقل:

كل هذا يأتي في وقت يتعين على أوروبا فيه أيضا الاستعداد للاضطرابات العميقة والتداعيات الناجمة عن تغير المناخ والذكاء الاصطناعي.


المصدر: الجزيرة

مقالات ذات صلة

↑ واتساب تواصل معنا