رياضة

كيف أسقط مسلمو كشمير محاولات حزب مودي توحيد خطبة الجمعة؟

تراجعت "داركشان أندرابي" رئيسة مجلس أوقاف جامو وكشمير (الشطر ذي الأغلبية المسلمة والخاضع لسيطرة الهند من إقليم كشمير) عن مقترح قدمته الأسبوع الماضي بشأن توحيد خطبة الجمعة في المساجد، بعد ردود فعل غاضبة من سياسيين وزعماء دينيين اتهموا الحكومة بمحاولة إحكام السيطرة على الفضاءات الدينية الإسلامية.

وكان مجلس أوقاف جامو وكشمير قد استدعى، الأحد الماضي، نحو 1500 من كبار العلماء والوعاظ من منطقة كشمير، وحضر بعض القادة شخصيا في مقر الاجتماع، بينما شارك آخرون من المناطق النائية عبر الاتصال المرئي.

وقال أحد علماء منطقة "راجوري" الجبلية (التي تبعد نحو 180 كيلومترا عن سريناغار، كبرى مدن المنطقة) -والذي حضر الاجتماع عبر الإنترنت- للجزيرة إن أندرابي أصدرت تعليمات تنص على أنه لن يُسمح إلا بتلاوة خطبة معتمدة ومعدة مسبقا من قِبل لجنة من كبار العلماء بشكل موحّد على منابر المساجد يوم الجمعة.

وأشار، بعدما طلب عدم الكشف عن هويته خشية من انتقام السلطة، إلى أنه لم يتم إبلاغهم بالتحديد بمن سيكون عضوا في هذه اللجنة، مضيفا: "عندما اعترضنا قائلين إننا لن نلتزم بالتعليمات إذا تبين أن الخطبة تخالف التعاليم الإسلامية، تنصلت من مخاوفنا ولم تسمح لنا بالحديث. وقالت (أندرابي) إن قرارهم نهائي وكان قيد الإعداد منذ أربع سنوات".

وقال نعيم أختر، وهو سياسي بارز شغل منصب وزير التعليم في كشمير خلال الحكومة المنتخبة السابقة (حين كان الإقليم يتمتع بوضع خاص قبل أن تلغيه لاحقا نيودلهي)، في حديث للجزيرة: "الخطبة الموحدة أو المركزية كانت تُلقى باسم السلطان أو الخليفة خلال العصور الوسطى، وكانت لها قدسيتها لأن كشمير كانت دولة إسلامية. أما اليوم، فمن المفترض أننا نعيش في دولة علمانية".

وأضاف: "طالما أن لديه جمهوره، فإن لكل خطيب الحرية في الحديث عن أي موضوع يختاره. وهذه الحرية كفلها جوهر القانون".

وأوضح أختر أن التعليمات الجديدة قادمة من مسؤول مرتبط بحزب بهاراتيا جاناتا، ولهذا السبب أثارت هذه الخطوة الأخيرة ردود فعل غاضبة، مبيّنا أن "دور المجلس إداري فحسب، وهو يتجاوز اختصاصاته بالمحاولة للوعظ أو توجيه الخطباء حول كيفية أداء عملهم. هل يمكن لحزب سياسي مسلم في الهند أن يملي على كاهن هندوسي كيف يؤدي صلواته أو على قس مسيحي كيف يلقي عظة الأحد؟".

ومساء الثلاثاء، حذر كبير الزعماء الدينيين المسلمين في المنطقة ميروايز عمر فاروق، من أن مثل هذه الخطوة ترقى إلى مستوى "التدخل المباشر"، بينما قالت هيئة "مجلس المتحدة للعلماء" (وهي مظلة تضم منظمات دينية عدة يترأسها فاروق) إن "تحديد محتوى الخطبة هو مسؤولية علماء المسلمين وليس هيئة إدارية".

كما شارك في هذا التنديد عمر عبد الله، رئيس الحكومة المنتخب في المنطقة والعضو في حزب "المؤتمر الوطني" الذي يؤيد الانضمام للهند، ولكن بالصلاحيات الذاتية التي ألغتها نيودلهي قبل 7 سنوات.

وعقب ردود الفعل الغاضبة، تراجعت رئيسة مجلس الأوقاف أندرابي عن تصريحها، وقالت إن الأمر تُرك لتقدير "العلماء والوعاظ والخطباء المستقلين" للحديث عن القضايا الاجتماعية مثل تزايد حالات الانتحار، والصدمات النفسية، وإدراك المخاطر المتعلقة بالمخدرات وغيرها.

يُذكر أن كشمير -وهي منطقة متنازع عليها تطالب بها كل من الهند وباكستان– ظلت في قلب الاضطرابات السياسية لأربعة عقود. وتحولت سنوات من المطالبات السلمية بإجراء استفتاء لتحديد الخيار الذي يفضله الكشميريون، إلى تمرد مسلح ضد الحكم الهندي عام 1989 ردا على اتهامات بتزوير الانتخابات.

وكانت تتمتع بوضع خاص وفق المادة 370 مع دستورها وعلمها، لكن في عام 2019، ألغت الهند الوضع شبه المستقل لكشمير وفرضت الحكم الاتحادي المباشر. ولم تُجرَ الانتخابات حتى عام 2024، حين أُعيد انتخاب الحكومة المحلية، وإن كان ذلك بظروف وصلاحيات مقيدة، إذ لا تزال السلطة الفعلية بيد الحاكم المعين من قِبل نيودلهي.

وكان من بين نتائج قرار عام 2019 إحلال الترتيبات القانونية التي تطبقها الهند محل الترتيبات المحلية التي كانت تحكم إدارة الأوقاف (وهي الصدقات الجارية التي يخصصها المسلمون للمنفعة العامة).

منح النظام الجديد صلاحيات واسعة للبيروقراطية الخاضعة للسيطرة الاتحادية في إدارة المجالس الدينية المحلية مثل الأوقاف. ومنذ ذلك الحين، اتُهم مجلس الأوقاف مرارا من قِبل القادة المحليين في كشمير بمحاولة تقويض حرياتهم الدينية أو التدخل في كيفية ممارسة الشعائر الدينية التقليدية الممتدة لعدة أجيال.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تُتهم فيها الإدارة التي يقودها حزب بهاراتيا جاناتا بمحاولة إحكام السيطرة على المؤسسات الدينية المحلية.

ففي يناير/كانون الثاني الماضي، اتهم علماء مسلمون في كشمير الحكومة بممارسات تمييزية بعد أن وزعت الشرطة استمارة من 4 صفحات بعنوان "توصيف المساجد" طلبت فيها تفاصيل شخصية عن الأئمة، والمؤذنين، والخطباء في المساجد عبر أنحاء المنطقة المتنازع عليها، بما في ذلك بياناتهم البيومترية.

ولسنوات، واجهت الجماعات المسلمة في المنطقة قيودا مختلفة بشأن الصلاة، حيث يُغلق مسجد "جامع سريناغار" -الذي يعود تاريخه إلى 600 عام- في المناسبات الدينية المهمة مثل صلاة العيد أو ليلة القدر.

وتتذرع الإدارة بأن هذه القيود تُفرض لضمان السلام والأمن، لكن القادة المسلمين يؤكدون أن مثل هذه التدابير تشكّل "اعتداء منهجيا على الهوية الدينية والكرامة والحقوق الأساسية" لمسلمي كشمير.

وقال نور أحمد بابا، وهو مؤرخ وعالم سياسي كشميري بارز، إن الدين كان دائما عاملا للحشد السياسي في كشمير، ولهذا السبب فإن محاولات التلاعب أو تغيير الترتيبات الدينية التقليدية تثير غضبا سياسيا.

وقال بابا للجزيرة: "إن طبيعة السلطة السياسية الحالية ونوعية السياسات التي اتبعتها تجاه المسلمين هي ما يجعل العملية برمتها محل شك"، في إشارة إلى حزب بهاراتيا جاناتا.

وأضاف: "لو أن هذا التوحيد جاء مثلا من علماء يحظون بالقبول الشعبي، لما أصبح مشكلة. فلا أحد يمكنه إنكار حاجة الزعماء الدينيين للحديث عن مواضيع مثل إدمان المخدرات، والزواج المتأخر، والتغير المناخي، والتآلف الاجتماعي وغيرها".


المصدر: الجزيرة

مقالات ذات صلة

↑ واتساب تواصل معنا