رياضة

عداد بلا جمهور.. هل شاهد 43 مليونا فعلا فيلم إسرائيل المضاد لـ”نازا”؟

فاز الوثائقي "نازا" بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية في سبتمبر/أيلول الماضي، بعد أن كشف بشهادات جنود إسرائيليين آليات قتل جيش الاحتلال المدنيين في غزة. وزادت الحملة التي شنّتها الحكومة الإسرائيلية على مخرجَيه من شهرته، حتى حُدّد عرضه في صالات السينما في 56 دولة ومنطقة.

وفي إسرائيل، قرر خصوم الفيلم أن يستثمروا هذا الصدى، فظهر فيلم مضاد يحمل الاسم نفسه، "نازا: القصة الحقيقية"، يقلّد الأصل في مقابلاته الليلية على أسطح تل أبيب، وأُطلق له موقع انتحل في أيامه الأولى صفة الموقع الرسمي لـ"نازا"، وبعد 3 أسابيع ظهر موقعان يعدان الزائر بمشاهدة "نازا"، ويقودانه بزر واحد إلى الفيلم الإسرائيلي.

ثم جاء الادعاء الثاني: عداد على موقع الفيلم تجاوز 43 مليون "مشاهدة"، وتبنّت جهات رسمية إسرائيلية الحديث عن "ملايين" المشاهدين. أما على يوتيوب، فلم تتجاوز مشاهدات الفيلم كاملا 130 ألفا حتى 14 أكتوبر/تشرين الأول.

تتبّعت وحدة صحافة البيانات في الجزيرة نت هذا الرقم عبر سجلات النطاقات وأرشيف الإنترنت وكود الموقع و3 أدوات مختلفة لقياس الزيارات.

وبعد 6 أيام فقط من عرض "نازا"، ويومين من تصريحات زوهار وزامير، سُجّل النطاق (nazadocumentary.com) في 16 سبتمبر/أيلول، بحسب سجلات النطاقات كما تعرضها أداة البحث التابعة لهيئة "آيكان" (ICANN). وبيانات مالك النطاق محجوبة، وهو مسجل عبر شركة "كلاودفلير" (Cloudflare).

في 14 سبتمبر/أيلول، طلب وزير الثقافة ميكي زوهار دراسة سحب جنسية المخرجَين يوفال أبراهام وراحيل تسور بدعوى "الخيانة"، وأمر رئيس الأركان إيال زامير بتحقيق للوصول إلى مصادر الفيلم، ثم طالب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مساء 11 أكتوبر/تشرين الأول، بالتحقيق مع جميع المشاركين فيه ومحاكمتهم.

وعند فحص النسخ المؤرشفة للموقع على "أرشيف الإنترنت" (Wayback Machine)، تبيّن أن أقدم نسخة محفوظة منه، في اليوم نفسه، قدّمت نفسها على أنها الموقع الرسمي لـ"نازا"، باسم مخرجَيه، وبأقسام للعروض والصحافة وفريق العمل، لكنها وصفت الفيلم بأنه يكشف "الأنظمة التي تقف خلف القتل الجماعي المحسوب لإرهابيين في غزة".

وفي نسخة 30 سبتمبر/أيلول، اختفت هذه الصفحة، وحلّ محلها عنوان "نازا: القصة الحقيقية"، ووصف للفيلم الإسرائيلي يقول إن مخرجيه "لم تُذكر أسماؤهم لأسباب أمنية".

ويقف خلف الفيلم المحامي وجندي الاحتياط أريئيل أفربوخ، أحد مؤسسي منظمة قادت حملة ضد فيلم "لا أرض أخرى"، ومعه روعي دانينو، المرشح عن حزب "إسرائيل أولا" اليميني، وحجاي غوتمان. ويقدّمهم الموقع أفرادا موّلوا العمل بأنفسهم، فيما وصف أفربوخ الفيلم بأنه "خطوة هجومية" لصرف انتباه العالم عن اتهامات قتل المدنيين في غزة.

ويقلّد "نازا: القصة الحقيقية" أسلوب الفيلم الأصلي، عبر مقابلات ليلية مع ضباط إسرائيليين على أسطح تل أبيب، وتبلغ مدته 49 دقيقة، وهو مترجم إلى 39 لغة بحسب موقعه.

وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول، سُجّل نطاقان آخران، (whatisnaza.com) و(watchnaza.com)، يقدّمان نفسيهما دليلا عن "نازا" الأصلي ومواعيد عرضه، لكنهما يضمّان زرا بعنوان (Watch Naza: The Real Story) يقود الزائر إلى الفيلم الإسرائيلي، ويقولان إنهما غير مرتبطين بصنّاع "نازا"، دون أن يكشفا الجهة التي تقف خلفهما.

قالت السفارة الإسرائيلية في واشنطن إن وزارة الخارجية لم تشارك في إنتاج الفيلم، لكنها تريد ترويج رسالته. وتولّت حسابات رسمية الترويج له، بدءا بالسفارات، إذ قدّمته السفارة في واشنطن في 3 أكتوبر/تشرين الأول على أنه فيلم "يصحّح الرواية"، وصولا إلى وزارة الخارجية ومكتب رئيس الوزراء.

وفي 8 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن حساب رئيس الوزراء أن رئيسة المديرية الوطنية للدبلوماسية العامة تسيبي حوتوفلي كرّمت صنّاع الفيلم الثلاثة، وقالت حوتوفلي إن الفيلم "حصد عشرات الملايين من المشاهدات"، ليتحوّل رقم لا يدعمه أي مقياس مستقل إلى خطاب رسمي.

وصباح 14 أكتوبر/تشرين الأول، قالت وزارة الخارجية إن الفيلم "أُوقف مؤقتا" إثر "حملة منسّقة من جماعات إسلامية متطرفة"، دون أن تقدّم دليلا، ودعت متابعيها إلى "الانضمام إلى الملايين الذين شاهدوه بالفعل".

يعرض الموقع عدادا تحته كلمة (Views) "مشاهدات"، وكان يشير صباح 14 أكتوبر/تشرين الأول إلى 43 مليونا و758 ألفا و421 مشاهدة، دون أن يذكر مصدر الرقم أو طريقة احتسابه. وكانت صحيفة الغارديان قد وصفت الرقم في 8 أكتوبر/تشرين الأول بأنه "غير معقول"، ورجّحت أن يكون العداد مدفوعا بطلبات إلى الموقع من بشر أو برامج آلية، لا بعدد من شاهدوا الفيلم.

ولا ينشر الموقع بيانات المشاهدة الفعلية، أما المنصات العلنية فتروي قصة مختلفة؛ فنسخة الفيلم الكامل على قناته الرسمية في يوتيوب، التي يحيل إليها الموقع نفسه، لم تتجاوز 130 ألف مشاهدة في اليوم نفسه، أي أن العداد يعرض نحو 336 ضعف مشاهداتها، وهي الفيلم ذاته بمدته الكاملة. ولا يتجاوز مشتركو القناة ألفين، ومتابعو حساب الفيلم على منصة إكس 170.

لا يمكن معرفة العدد الدقيق لزوّار أي موقع من خارجه، لكن منصات تحليل الزيارات تقدّر حجمها ومصادرها. وتعتمد هذه المنصات على عينات من المستخدمين وتضعف دقتها مع المواقع الجديدة، لذلك تُقرأ أرقامها مؤشرا لا عدّا دقيقا.

وعند تتبّع زيارات الموقع يوما بيوم عبر منصة "سيمرش" (Semrush) الأمريكية، تبيّن أن أول زيارات مرصودة كانت في 29 سبتمبر/أيلول، وأن الزيارات بلغت ذروتها في يومي 5 و6 أكتوبر/تشرين الأول بنحو 130 إلى 140 ألف زيارة يوميا، ثم تراجعت، ليبلغ مجموعها حتى 8 أكتوبر/تشرين الأول نحو نصف مليون زيارة، وأقل من مليون في كل الأحوال.

وتُظهر بيانات المنصة أن 80% من زيارات اليومين الأولين جاءت من إسرائيل، وأن الزيارات "المباشرة"، أي عبر روابط متداولة في تطبيقات المراسلة أو بكتابة العنوان، هيمنت على زيارات أكتوبر/تشرين الأول.

أما منصة "سيميلار ويب" (Similarweb)، إسرائيلية المنشأ، فلا تتوفر لديها حتى الآن إلا بيانات سبتمبر/أيلول، وتقدّر زيارات الموقع فيه بـ326 زيارة فقط. وتختلف المنصتان في رقم ذلك الشهر، لكنهما تتفقان على أن زياراته تُقاس بالمئات أو الآلاف، لا بالملايين.

كما غابت نطاقات الفيلم الثلاثة عن قائمة "ترانكو" (Tranco) البحثية، التي طوّرتها جامعات أوروبية لأكثر مليون نطاق زيارة في العالم، بنسختها التي تغطي الفترة من 12 سبتمبر/أيلول إلى 11 أكتوبر/تشرين الأول. ولا يُعدّ ذلك دليلا حاسما، إذ لم يستقبل الموقع زيارات إلا في آخر أسبوعين تقريبا من هذه الفترة، لكنه مؤشر مساند، فموقع استقبل عشرات الملايين من المشاهدات يصعب أن يغيب عن قائمة تضم مليون نطاق.

بفحص الكود المصدري للصفحة، تبيّن أن العنصر الذي يعرض الرقم موسوم بكلمة (visitors) "زوّار"، بينما يظهر للمستخدم تحت كلمة (Views) "مشاهدات". وقد تكون هذه التسمية داخلية، لكنها التعريف الوحيد المتاح للرقم. وتُظهر النسخ المؤرشفة أن الكلمة الظاهرة كانت في البداية (Viewers) "مشاهدون"، أي عدد أشخاص، قبل أن تظهر (Views) في نسخة 8 أكتوبر/تشرين الأول، دون أي توضيح.

ويصل الرقم جاهزا من خادم الموقع، فلا يمكن رؤية طريقة حسابه من الخارج، ويبدأ عند فتح الصفحة من 97% من قيمته ويعدّ تصاعديا لـ3 ثوانٍ، موحيا بأنه عداد حي. ولا يحتوي الموقع أي أداة تحليل خارجية مستقلة، مثل "غوغل أناليتكس".

في المقابل، يجمع الموقع بيانات مشاهدة فعلية ولا ينشرها، إذ يرسل ملف (watch-tracker) "متتبّع المشاهدة"، بعد نحو 25 ثانية من تشغيل الفيلم، معرّفا لجلسة المشاهدة وعدد الثواني والأجزاء التي شوهدت، ولا يُعرف إن كان العداد مبنيا على هذه البيانات.

لم يكن العداد موجودا في النسخ المؤرشفة حتى 2 أكتوبر/تشرين الأول، ثم ظهر أول مرة في نسخة 4 أكتوبر/تشرين الأول عند 9 ملايين تقريبا. ومساء 5 أكتوبر/تشرين الأول قفز إلى 25 مليونا، ثم بلغ 42.5 مليونا مساء 8 أكتوبر/تشرين الأول، بزيادة تفوق 17 مليونا في 3 أيام.

وفي الأيام نفسها تقريبا، بين 6 و8 أكتوبر/تشرين الأول، تقدّر "سيمرش" مجموع زيارات الموقع بنحو 200 إلى 300 ألف زيارة. ثم تباطأ العداد فجأة بعد 8 أكتوبر/تشرين الأول، من نحو 6 ملايين يوميا إلى نحو 200 ألف، دون أن تكشف البيانات المتاحة سبب ذلك.

ولوضع الرقم في حجمه، يمكن مقارنته بفيلم "كوني 2012″، الوثائقي الذي تحوّل في مارس/آذار 2012 إلى ظاهرة عالمية تداولها المشاهير ووسائل الإعلام، وبلغ 100 مليون مشاهدة على مختلف المنصات في 6 أيام، ليُصنَّف من أسرع الفيديوهات انتشارا في تاريخ الإنترنت، ولا تتجاوز مشاهداته على قناته الرسمية في يوتيوب اليوم 103 ملايين بعد 14 عاما.

أما "نازا: القصة الحقيقية"، فيعرض أكثر من 43 مليونا خلال أقل من 3 أسابيع، دون أثر تفاعلي مماثل على يوتيوب أو إكس، ودون صدى في نقاشات الجمهور يقارب ما أحدثه الوثائقي الأصلي.

ويأتي الفيلم المضاد حلقةً في حملة إسرائيلية على "نازا" الأصلي بدأت قبل أن يشاهده أحد تقريبا، بحسب مجلة "كولومبيا للصحافة"، ورأت فيها الكاتبة ميشيل غولدبرغ في نيويورك تايمز دليلاً على خشية رسمية من صدق رواية الفيلم، لا من أثرها على صورة إسرائيل.

وفي حين استند "نازا" إلى شهادات ضباط إسرائيليين أخفوا هوياتهم، لم يقدّم خصومه سوى عداد لا يُعرف مصدره، ولا تؤكده أي أداة قياس مستقلة، ولا تقترب منه أرقام المنصات العلنية.


المصدر: الجزيرة

مقالات ذات صلة

↑ واتساب تواصل معنا