400 طفل على قوائم الانتظار.. مرضى النزوح بالسودان يصارعون الألم

بعد 4 سنوات من تأجيل الجراحة بسبب الحرب، يستعد الطفل السوداني لطفي أخيرا لدخول غرفة العمليات في مستشفى بحري التعليمي بالخرطوم، وبينما تمنح مبادرة طبية أطفالا فرصة للعلاج بعد سنوات من المعاناة، لا يزال أكثر من 400 مريض ينتظرون دورهم، في ظل تداعيات الحرب والنزوح وعجز أسر عن تحمل تكاليف الرعاية الصحية.
ويرصد مراسل الجزيرة الطاهر المرضي من داخل مستشفى بحري التعليمي معاناة الأطفال الذين حالت الحرب دون حصولهم على العلاج، والجهود الرامية إلى توفير العمليات الجراحية لهم، وتكشف الحالات التي يستقبلها المستشفى جانبا من الأعباء الصحية التي خلفها القتال، ولا سيما على الأطفال والأسر التي اضطرت إلى النزوح.
قبل اندلاع الحرب، كانت أسرة لطفي تستعد لإجراء عملية جراحية يحتاج إليها طفلها، لكن القتال وإغلاق المستشفيات أوقفا ترتيبات العلاج لتبدأ رحلة طويلة من الانتظار. ويقول والد الطفل إن الأسرة لم تتمكن من إيجاد طريقة لإيصاله إلى أي مستشفى حتى توفي الطبيب الذي كانت تعتزم عرضه عليه.
طوال 4 سنوات، بقيت الجراحة مؤجلة، فيما استمرت معاناة الطفل وأسرته وسط ظروف الحرب وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية. ولم تكن المشكلة في الحاجة إلى التدخل الطبي وحدها، بل في غياب الفرصة التي تتيح للأسرة استكمال العلاج، إلى أن تمكنت أخيرا من الوصول إلى مستشفى بحري.
وفي المستشفى، حمل الأب طفله عبر الممرات باتجاه غرفة العمليات، حيث استعد الفريق الطبي لإجراء الجراحة التي طال انتظارها. وبالنسبة إلى لطفي، لم يكن دخول غرفة العمليات مجرد موعد طبي، بل فرصة للتخلص من الألم واستعادة حياته الطبيعية بعد سنوات حرمته فيها الحرب من العلاج.
ويشرح الدكتور منصور أحمد جابر، استشاري الجراحة في مؤسسة سدرة الطبية القطرية، أن عملية إعادة زراعة المستقيم تصبح أكثر صعوبة كلما تقدم الطفل في العمر؛ لأن الأنسجة تصبح أكثر صلابة وترتفع احتمالات النزيف. وأشار إلى أن ظروف الحرب أسهمت في تأجيل عمليات جراحية كثيرة للأطفال.
وفي مستشفى بحري التعليمي، أسهمت حملة جراحية نظمها الهلال الأحمر القطري بالتعاون مع المستشفى في إجراء أكثر من 120 عملية جراحية لأطفال وكبار في السن. لكن المبادرة لم تستوعب جميع الحالات المحتاجة إلى التدخل، إذ لا يزال أكثر من 400 مريض على قوائم الانتظار بانتظار فرصة مماثلة.
ويقول مدير المستشفى الدكتور أحمد بشير إن نحو 120 طفلا استفادوا من العمليات التي أجريت ضمن المبادرة، مؤكدا أن أطفالا آخرين لا يزالون بحاجة إلى تدخلات مماثلة. وأوضح أن الحرب أقامت حواجز أمام وصول المرضى إلى المستشفيات، في حين باتت الفرص متاحة الآن لتلقي العلاج.
وتعكس قوائم الانتظار حجم الاحتياج إلى الرعاية الجراحية بعد فترة تعطلت خلالها قدرة كثير من المرضى على الوصول إلى المؤسسات الصحية. فبالنسبة إلى الأطفال الذين تأجلت عملياتهم، لا يعني الانتظار استمرار الألم فحسب، بل قد يجعل بعض التدخلات أكثر تعقيدا مع تقدم العمر، كما يوضح الأطباء.
وفي أروقة المستشفى وعنابره، تتواصل محاولات استعادة الخدمات الصحية واستقبال المرضى، بعد الدمار الذي تعرض له المستشفى خلال الحرب. ووفق ما ذكره مراسل الجزيرة، استقبل مستشفى بحري أكثر من 20 ألف مريض خلال 5 أشهر من بدء استعادة نشاطه، في مؤشر على حجم الحاجة إلى خدماته.
وخارج المستشفى، تتخذ المعاناة وجها آخر في مخيمات النزوح، حيث يعيش أطفال وسط ظروف صحية ومعيشية صعبة، بينما تعجز أسرهم عن تحمل تكاليف العلاج والجراحات. وهكذا لا تنتهي رحلة المرضى عند الحاجة إلى الرعاية، بل تبدأ معها معركة أخرى لتأمين كلفة الوصول إليها والحصول عليها.
وتتزامن هذه الأوضاع مع تدفق آلاف النازحين إلى مناطق تستقبل الفارين من القتال، بينها طويلة في شمال دارفور والدمازين، بحسب ما أورده الطاهر المرضي. وتضع موجات النزوح أعباء إضافية على الفئات الأكثر ضعفا، ولا سيما النساء والأطفال الذين يحتاجون إلى الرعاية الصحية في ظروف شديدة الصعوبة.
وفي مواجهة هذه الاحتياجات، تسعى وزارة الصحة إلى تقليل معاناة المرضى، بينما تتيح المبادرات الطبية لبعض الأسر فرصة طال انتظارها. غير أن استمرار وجود مئات المرضى على قوائم العمليات يشير إلى اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات وقدرة الخدمات الصحية والمبادرات المتاحة على تلبيتها.
أما لطفي فقد خرج من غرفة العمليات وعاد إلى جوار أمه التي استقبلت تعافيه بالحمد والشكر بعد سنوات من القلق والتأجيل. وبالنسبة إلى أسرته، يمثل نجاح الجراحة نهاية مرحلة طويلة من المعاناة، وبداية أمل في أن يتمكن الطفل من المشي واللعب والعودة إلى حياته اليومية دون ألم.
لكن خلف لطفي مئات الأطفال والمرضى الذين لا يزالون ينتظرون دورهم في قوائم العلاج، ولكل منهم أسرة تتطلع إلى فرصة مماثلة. وبينما تمنح الجراحات المنجزة بعض المرضى أملا جديدا، تبقى معاناة النازحين وصعوبة تحمل تكاليف الرعاية تذكيرا بأن الوصول إلى العلاج لا يزال تحديا مفتوحا أمام كثير من السودانيين.
المصدر: الجزيرة



