رياضة

إسبانيا إلى الانتخابات.. أزمة السكن تضع مستقبل سانشيز والحزب الاشتراكي على المحك

خلال أسبوعين فقط، انتقلت إسبانيا من قضية إخلاء مسنّة تبلغ 87 عاماً من منزلها إلى انتخابات نيابية مبكرة مقررة في 29 تشرين الثاني. وأعاد رحيل ماريا كارمن أباسكال، في 7 تشرين الأول، أزمة السكن إلى واجهة المشهد السياسي، بعدما تحولت قصتها إلى محور احتجاجات واسعة، تزامنت مع سقوط مرسومين حكوميين في البرلمان، ما دفع رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى تقديم موعد الانتخابات. بدأت الأزمة في 23 أيلول، عندما أُخرجت أباسكال من المنزل الذي عاشت فيه 71 عاماً في مدريد. وأثارت القضية تحركات شعبية ومظاهرات ومخيماً احتجاجياً في ساحة “بويرتا ديل سول”. وردت الحكومة بمرسومين يتعلقان بالسكن والإيجارات، نُشرا في 30 أيلول والأول من تشرين الأول، قبل أن يرفضهما البرلمان في الثاني من الشهر. وفي 5 تشرين الأول، أعلن سانشيز الدعوة إلى انتخابات مبكرة. وتوفيت أباسكال في مستشفى غريغوريو مارانيون من دون أن تتمكن من العودة إلى منزلها، رغم التوصل إلى اتفاق يسمح لها بذلك. لكن الأزمة السياسية لم تبدأ مع إخلائها، بل جاءت نتيجة تراكم مشكلات سوق السكن وضعف قدرة الحكومة على ضمان توافقات برلمانية مستقرة. أزمة سكن تتجاوز المؤشرات الاقتصادية بحسب المعهد الوطني الإسباني للإحصاء، ارتفعت أسعار المساكن بنسبة 12.2% على أساس سنوي في الربع الثاني من عام 2026، بزيادة بلغت 12.9% للمنازل المستعملة و7.4% للمساكن الجديدة. وخلال الفترة الممتدة بين نيسان وحزيران وحدها، ارتفعت الأسعار الإجمالية بنسبة 3.4%. وتتقدم الأسعار بوتيرة تفوق قدرة عدد كبير من الأسر على مواكبتها، في ظل نقص المعروض في بعض المناطق الحضرية، والضغط السكاني، وصعوبة ادخار المبالغ اللازمة لشراء منزل. كما أدى ارتفاع الإيجارات إلى زيادة الأعباء على الموازنات العائلية وتأخير استقلال الشباب عن أسرهم. وتبرز المشكلة في مدريد وبرشلونة، إلى جانب مدن متوسطة ومناطق سياحية، خصوصاً على ساحل البحر المتوسط، حيث تتنافس الحاجة إلى السكن الدائم مع الطلب السياحي. ولا تمثل حالة أباسكال نموذجاً تقليدياً لأزمة الباحثين عن أول منزل أو عقد إيجار. فقد سلطت الضوء على هشاشة أوضاع أشخاص عاشوا عقوداً في مساكنهم، ثم أصبحوا مهددين بفقدانها نتيجة تغير الملكية أو النزاعات التعاقدية. وهو ما أتاح لفئات عمرية مختلفة الالتقاء حول مطلب حماية الحق في السكن. سقوط المرسومين يكشف هشاشة الأغلبية كشف رفض البرلمان مرسومي السكن، بأصوات الحزب الشعبي و”فوكس” و”جونتس” واتحاد الشعب النافاري، أن الأغلبية التي دعمت وصول سانشيز إلى السلطة لا تضمن تأمين أكثرية تشريعية مستقرة. وكان موقف “جونتس” حاسماً، إذ يعتمد رئيس الوزراء على تفاهمات مع أحزاب لا تتطابق دائماً مصالحها الإقليمية والاقتصادية والبرلمانية مع توجهات الحزب الاشتراكي وشركائه اليساريين. ولم يكن سقوط المرسومين يفرض دستورياً الدعوة إلى انتخابات مبكرة، بل كان قراراً سياسياً اتخذه سانشيز بعد خسارة برلمانية مهمة. ويمكن للحكومة تقديم الانتخابات باعتبارها فرصة للحصول على تفويض جديد، فيما يرى خصومها أنها إقرار باستنفاد الولاية الحالية. وفي الحالتين، لن تنتهي مشكلة الحكم بمجرد إجراء الانتخابات، إذ ستحتاج الحكومة المقبلة إلى بناء أكثرية لتمرير الموازنة والإصلاحات والتدابير المتعلقة بالسكن. مستقبل الحزب الاشتراكي بعد سنوات سانشيز وصل سانشيز إلى رئاسة الحكومة في حزيران 2018، عبر مذكرة حجب الثقة عن حكومة ماريانو راخوي. وكان قد مرّ قبل ذلك بأزمة داخلية في الحزب الاشتراكي عام 2016، اضطر خلالها إلى ترك الأمانة العامة، قبل أن يستعيد القيادة بعد فوزه في الانتخابات الداخلية في أيار 2017. ومنذ ذلك الحين، قاد صيغاً حكومية مختلفة وأبرم تفاهمات مع قوى سياسية متباينة. كما تمكن من الاستمرار في الحكم بعد انتخابات 2023، مستنداً إلى أغلبية معقدة لم تنجح دائماً في تأمين الدعم اللازم لكل تصويت برلماني. وتطرح هذه التجربة سؤالاً داخل الحزب الاشتراكي بشأن مدى ارتباط هويته السياسية بشخص أمينه العام، لكنها لا تعني أن عملية خلافة سانشيز قد بدأت رسمياً أو أن قراراته الشخصية المقبلة باتت معروفة. ويواجه الحزب تحدياً يتجاوز تغيير القيادة، يتمثل في تجديد برنامجه ومواقفه من قضايا السكن والأجور والإنتاجية والتفاوت بين الأجيال والتمويل الإقليمي والتحول الاقتصادي، فضلاً عن تحديد علاقته بالقوى اليسارية والأحزاب القومية والإقليمية التي لعبت دوراً حاسماً في تشكيل الحكومات. الانتخابات والاستطلاعات لا تحسم النتيجة تشير استطلاعات نُشرت مع بداية الحملة إلى تراجع الحزب الاشتراكي مقارنة بنتائجه في انتخابات 2023، حين حصل على 121 مقعداً ونحو 31.7% من الأصوات. غير أن الاستطلاعات تعكس تفضيلات الناخبين في لحظة محددة، وتتأثر بالمنهجية وحجم العينة وتقديرات المشاركة. كما أن النظام الانتخابي الإسباني يعتمد توزيع المقاعد بحسب الدوائر الانتخابية الإقليمية، ما يعني أن النسب الوطنية لا تتحول تلقائياً إلى أكثرية برلمانية. وبالتالي، لن يتوقف اختبار 29 تشرين الثاني على حجم التصويت لكل حزب فحسب، بل سيشمل أيضاً توزيع الأصوات جغرافياً والقدرة على التوصل إلى اتفاق لتشكيل الحكومة. وسيكون على سانشيز عرض برنامج للمستقبل بعد ثماني سنوات في رئاسة الحكومة، وتوضيح ما تقترحه حكومته في ملف السكن وما حققته السياسات السابقة. وفي المقابل، سيُطلب من الحزب الشعبي تقديم بديله، فيما ستطرح “فوكس” والقوى الواقعة إلى يسار الاشتراكيين والأحزاب الإقليمية أولوياتها الخاصة. من يخلف سانشيز إذا انتهى عهده؟ يمتلك الحزب الاشتراكي بنية تنظيمية ممتدة في المناطق، ويضم شخصيات تتولى مناصب حكومية وإقليمية بارزة، بينها نائبة الأمين العام ماريا خيسوس مونتيرو، ورئيس حكومة كتالونيا سلفادور إيا، ورئيس حكومة كاستيا لا مانتشا إيميليانو غارسيا-باجي. كما يتولى أوسكار لوبيز وديانا مورانت وأنخل فيكتور توريس مسؤوليات سياسية مهمة. لكن هذه الشخصيات تختلف في مساراتها وقواعد دعمها، ولم تُفتح رسمياً عملية خلافة على مستوى الحزب. لذلك، فإن اعتبار أي منها مرشحاً محتملاً لقيادة الحزب في الوقت الحالي يبقى سابقاً لأوانه. وتتمثل المسألة الأساسية في قدرة الحزب على تجديد قيادته ومشروعه السياسي، لا في استبدال شخص بآخر فحسب. فالتغيير المحتمل يحتاج إلى نقاش تنظيمي وبرنامجي واسع، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الناخبين. ثلاثة سيناريوهات للحكومة المقبلة يتعلق السيناريو الأول بتمكن سانشيز من الحصول على دعم برلماني كافٍ لتشكيل الحكومة، وهو ما سيستلزم التفاوض مجدداً مع القوى التي يحتاج إليها لتمرير الموازنة والتشريعات الأساسية. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تمكن أكثرية بديلة من تنصيب رئيس حكومة آخر، الأمر الذي سيضع الحزب الاشتراكي أمام ضرورة تحديد موقعه في المعارضة وتنظيم مرحلته المقبلة عبر مؤسساته الداخلية. ويقوم السيناريو الثالث على برلمان مجزأ لا يتيح التوصل إلى اتفاق لتشكيل الحكومة، بما يفتح الباب أمام مفاوضات جديدة وفق الإجراءات والمهل الدستورية. ولا يمكن استنتاج أي من هذه الاحتمالات بصورة آلية من استطلاع وطني، كما لا يعني أي منها بالضرورة اتخاذ قرار بشأن مستقبل قيادة الحزب الاشتراكي. قضية أباسكال تختبر ثقة الإسبان بالمؤسسات أعادت وفاة ماريا كارمن أباسكال تسليط الضوء على الفجوة بين الحاجات الاجتماعية واستجابة السلطات وقدرة البرلمان على التوافق. ولا يمكن اختزال أزمة سياسية تراكمت على مدى سنوات في قضية واحدة، أو اعتبار وفاة أباسكال السبب الوحيد للدعوة إلى انتخابات مبكرة. لكن قضيتها أصبحت رمزاً لأزمة السكن، في وقت يدخل فيه سانشيز الانتخابات والملف في صدارة النقاش العام. ويواجه الحزب الاشتراكي، إلى جانب المنافسة الانتخابية، تحدياً يتعلق بالحفاظ على هوية سياسية واضحة وتجديد مشروعه بعد سنوات طويلة من قيادة سانشيز. وفي 29 تشرين الثاني، سيختار الإسبان برلماناً جديداً، فيما ستخضع القوى السياسية لاختبار قدرتها على معالجة أزمة سكن باتت تثير تساؤلات حول ثقة المواطنين بالمؤسسات


المصدر: لبنان 24

مقالات ذات صلة

↑ واتساب تواصل معنا