اختبار جديد يقلب الموازين.. الذكاء الاصطناعي يتنبأ بعودة السرطان قبل سنوات

يمثل سرطان الثدي الإيجابي لمستقبلات الهرمونات والسلبي لمستقبل HER2 النمط الأكثر شيوعاً بين الحالات، لكنه في الوقت نفسه من أكثرها تعقيداً من حيث مسار المرض على المدى الطويل. فخطر عودة السرطان لا يتوقف بانتهاء العلاج، بل قد يمتد لسنوات، إذ تُظهر البيانات أن أكثر من نصف حالات الانتكاس البعيد تحدث بعد مرور خمس سنوات أو أكثر، حتى لدى مريضات لم تُسجل لديهن إصابة في العقد اللمفاوية.
وتشير دراسة حديثة نُشرت في مجلة "npj Breast Cancer" إلى أن هذا النمط مسؤول عن نحو 60% من وفيات سرطان الثدي، وهو ما يعكس الحاجة إلى أدوات أكثر دقة لتقدير المخاطر طويلة الأمد.
يعتمد الأطباء حالياً على اختبار «أونكوتايب دي إكس» (نتيجة الانتكاس بالجينات ال21) لتحديد احتمال عودة المرض، وكذلك لتقدير مدى الحاجة إلى العلاج الكيميائي المساعد. غير أن هذا الاختبار يُظهر كفاءة أكبر في التنبؤ بالانتكاس خلال السنوات الخمس الأولى، ما يترك فجوة واضحة في تقييم المخاطر المتأخرة.
دفعت هذه الفجوة الباحثين إلى تطوير نموذج جديد قائم على الذكاء الاصطناعي يحمل اسم «IICM+»، يهدف إلى تحسين القدرة على التنبؤ بالانتكاس البعيد، خاصة بعد السنوات الخمس الأولى من التشخيص.
اعتمد تطوير النموذج على بيانات 2808 مريضات ضمن تجربة "TAILORx"، قبل اختباره على مجموعة مستقلة ضمت 1621 مريضة. ولتقييم الأداء، استخدم الباحثون مؤشر "C-index" الذي يقيس دقة التنبؤ، حيث تعني القيمة 1 دقة مثالية، بينما تعكس القيمة 0.5 أداءً قريباً من التخمين العشوائي.
وأظهرت النتائج تفوقاً واضحاً للنموذج الجديد، إذ سجل 0.735 في التنبؤ بالانتكاس البعيد، مقارنة ب0.578 لاختبار "أونكوتايب دي إكس". ويُعد هذا الفارق، وفق خبراء، ذا دلالة إكلينيكية مهمة، لأنه يشير إلى قدرة أفضل على التمييز بين المريضات بحسب مستوى الخطر.
تكمن أهمية هذا التقدم في طبيعة المرض نفسه، إذ يمكن للخلايا السرطانية أن تظل كامنة لسنوات قبل أن تنشط مجدداً في أعضاء أخرى. لذلك، فإن القدرة على تحديد المريضات الأكثر عرضة للانتكاس بعد 5 أو حتى 10 و15 عاماً تتيح للأطباء إعادة النظر في خطط العلاج والمتابعة طويلة الأمد.
كما قد يساعد هذا النوع من التنبؤات في تخصيص العلاج بشكل أدق، سواء عبر إطالة مدة العلاج الهرموني أو التفكير في تدخلات إضافية لدى الفئات الأعلى خطراً.
من أبرز التطبيقات المحتملة للنموذج الجديد قدرته على إعادة تصنيف بعض المريضات اللواتي يُعتبرن منخفضات الخطر وفق «أونكوتايب دي إكس»، خاصة ضمن الفئة التي تتراوح نتائجها بين 0 و25، وهي الفئة التي غالباً ما يُستبعد عنها العلاج الكيميائي.
وقد يكشف «IICM+» أن بعض هؤلاء المريضات يحملن خطراً أعلى مما يبدو، ما قد يفتح الباب لنقاشات علاجية أكثر دقة وتخصيصاً، دون أن يلغي دور التقييم السريري أو القرار المشترك بين الطبيب والمريضة.
ورغم هذه النتائج الواعدة، يشدد خبراء على أن النموذج لا يزال بحاجة إلى مزيد من التحقق قبل اعتماده في الممارسة اليومية. فالمطلوب هو اختبار أدائه في مجموعات أكبر وأكثر تنوعاً، والتأكد من أنه يقدم قيمة مضافة حقيقية مقارنة بالأدوات الحالية.
كما يتعين إثبات أن استخدامه ينعكس فعلياً على تحسين نتائج المرضى، إلى جانب ضمان سهولة تطبيقه وتكلفته المناسبة ضمن الأنظمة الصحية المختلفة.
وفي هذا السياق، يذكّر مختصون بأن «أونكوتايب دي إكس» نفسه احتاج سنوات من الدراسات قبل أن يصبح معياراً معتمداً، وهو المسار الذي يُتوقع أن يسلكه النموذج الجديد قبل أن يجد مكانه في العيادات.
المصدر: العربية



