افتتاح معرض “إبداع وإتقان الصورة”… مصوّرون يروون الذاكرة في الدوحة

افتتاح معرض "إبداع وإتقان الصورة"… مصوّرون يروون الذاكرة في الدوحة
ليست كل الصور محاولة للاحتفاظ بلحظة جميلة. بعضها يُلتقط لأن الذاكرة وحدها لم تعد كافية. عندها، لا تعود الكاميرا أداة لتسجيل ما تراه العين، إنما وسيلة لحماية ما لا نريد له أن يغيب.
من هذه المساحة، تنطلق النسخة الثانية من معرض "إبداع وإتقان الصورة"، الذي افتتحته متاحف قطر في غاليري "الحوش" في الدوحة، ضمن مهرجان قطر للصورة "تصوير". يضمّ المعرض أعمال أكثر من 12 مصوّراً فوتوغرافياً من قطر ودول الخليج وشمال أفريقيا وغرب آسيا، ويستمر حتى 5 تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
غير أن ما يجمع هذه الأعمال ليس المكان الذي جاء منه أصحابها، ولا الأسلوب الذي اختاروه، بل سؤال يبدو حاضراً خلف معظم الصور: كيف نحتفظ بعلاقتنا بمكان أو شخص أو زمن حين يبدأ بالابتعاد عنّا؟
حين تصبح السيرة أرشيفاً
يقدم المعرض مشاريع فوتوغرافية تتناول موضوعات الهوية والذاكرة والتراث والهجرة والانتماء، ينطلق فيها المشاركون من تجاربهم الشخصية وخلفياتهم الثقافية، ليقدّموا قراءات بصرية للمكان والمجتمع وتفاصيل الحياة المعاصرة.
في مشروع "أول خط بالطبشور"، يعود عبد اللطيف أحمد النعيمي إلى مباني المدارس القطرية القديمة، مستلهماً تجربة والده الذي عمل معلّماً في سبعينيات القرن الماضي. لا يوثّق المشروع جدراناً وصفوفاً فحسب، بل يستعيد أثراً تركه معلّمون ساهموا في بناء أجيال، قبل أن تتبدّل الأمكنة وتبهت تفاصيلها.
تحضر علاقة الإنسان بالمكان في مشروع "أنا البحر" لمايا باتشيتش، بينما يحمل عنوان "أنا وحدي دولة" لفاطمة أحمد الدوح شعوراً بالانتماء يتجاوز الحدود الجغرافية. أما مشروع "بيت الله" لعبد اللطيف الجيدة، فيتأمل المسجد بوصفه أكثر من بناء ديني: مساحة للصلاة والرجاء والاستمرارية.
في أعمال أخرى، تتعدى الهجرة كونها رحلة انتقال فقط، لتصبح أيضاً اختبار اًللذاكرة. ففي مشروعي "فُلان" لجيني ماريان لايا بيريز و"نحن أيضاً نملك أجنحة" لجيلي هجو، يصبح الانتماء شيئاً يُعاد البحث عنه وتخيّله، لا مكاناً ثابتاً نحمله معنا بسهولة.
الصورة قبل أن تصبح معرضاً
جاءت الأعمال بعد 14 أسبوعاً من الدراسة والبحث والنقد والتجريب، في ختام دورة متقدمة في التصوير الفوتوغرافي. وهنا تكمن إحدى نقاط قوة المعرض: فالمشاركون لم يتدرّبوا فقط على التقاط صورة أفضل، بل على معرفة سبب التقاطها، وما الذي تقوله، ولمن تتوجّه.
ففي زمن تتدفق فيه آلاف الصور يومياً وتختفي بالسرعة نفسها، يعيد "إبداع وإتقان الصورة" التذكير بالفارق بين صورة نمرّ بها وأخرى نتوقف أمامها. الأولى تعرض مشهداً، أما الثانية فتترك سؤالاً.
لا يحاول المعرض تقديم صورة واحدة عن قطر أو المنطقة، بل يجمع أصواتاً وتجارب مختلفة، تلتقي عند الحاجة إلى رواية الذات من الداخل. فالإنسان لا يصوّر وطنه دائماً كما يبدو، بل كما يتذكره، وكما يخشى أن يفقده، وكما يتمنى أن يبقى.
قد لا تمنع الصورة المكان من التغيّر، ولا الذاكرة من التلاشي، لكنها تمنح ما يرحل شكلاً يمكن العودة إليه. وحين يعجز الإنسان عن حمل وطنه كاملاً، قد تكفيه أحياناً صورة.
اقرأ في النهار Premium
المصدر: جريدة النهار




